هل مطلوب من الدولة أن تلزم الناس بأداء الصلاة والصيام وغطاء الشعر، وأن تمنعهم من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، وأن تعاقب من لا يصلي أو من يشرب الخمر؟ الواقع أن فئات واسعة من الناس تثير تخوفات واسعة من أن تسعى حكومة يقودها الإسلاميون إلى فرض أحكام وسلطات واسعة تحد من حرياتهم الشخصية والفردية في السلوك واللباس والطعام. وبالطبع، هناك نماذج قائمة بالفعل تشجع على الخوف والقلق!
لقد ترسخت قيم الحريات الفردية في العالم المتقدم، وأصبحت معيارا أساسيا في الحقوق والحريات. ويجب أن نلاحظ أن ضعف وهشاشة الحريات الفردية في دولنا العربية ليس مردها إلى الجماعات الدينية فقط، ولكن السلطات السياسية والمجتمعات لم تكن مختلفة عن المؤسسات والجماعات الدينية؛ فما نزال نخضع جميعا لسلطة مجتمعية وسياسات اجتماعية تحدّ من الحريات الفردية والاجتماعية. ربما تزيد الجماعات الإسلامية المشكلة وتفاقمها، ولكنها تملك إن أرادت فرصة لمبادرة مهمة ورائدة في تأكيد الحريات الفردية جميعها، سواء كانت حراما أو حلالا، ولا تقيدها إلا بحدود السلامة والمصالح العامة، كما تفعل جميع الدول (غير الإسلامية)، وأن تترك الالتزام بها أو التخلي عنها للأفراد. فليس مطلوبا من الدولة في الإسلام أن تجبر الناس على الإيمان والدين "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين".. "لا إكراه في الدين".. ولكنها تتخذ من التدابير ما يحمي الحقوق والمصالح العامة والقيم الرئيسة العليا. فليس مطلوبا منها أن تمنع شرب الخمر، لكنها تمنع الاعتداء على الحريات والحقوق، أو ما يسيء إلى حياة الناس ومصالحهم وذوقهم، مثل السواقة تحت تأثير الكحول، أو الضجيج والإساءة لراحة الناس وخصوصيتهم. والدولة لا تبحث ولا تتدخل في علاقة الرجال بالنساء، لكنها تمنع الرذيلة المؤسسية والمنظمة والاتجار بالبشر، وتتابع الشكاوى المتعلقة بهذا الخصوص. ويمكن للدولة أن تتدخل في ما تقدره السلطات التشريعية إساءة، كما تفعل جميع الدول، مثل منع القمار، أو في مسائل تبدو مباحة أو مسكوتا عنها، مثل ضرب الزوجات والأولاد. المسألة تحددها اتجاهات ومزاج الطبقات الفاعلة في المجتمع والدولة، واتجاه العالم، والرقي والتقدم الإنساني.
حدد القرآن جريمتين بالعقوبة، هما الزنا والسرقة، ومبدأ عاما في العقوبة "القصاص". وتخصيص الزنا والسرقة من دون المحرمات بالعقوبة يؤكد على أن السلطة تتدخل في القضايا الحقوقية والجنائية. وبالطبع، هناك قضايا أخرى في المعاملات تبدو توجيها للسلطة، مثل الربا، والرشوة، والميسر، وأظن أنها مسائل لا تثير قلقا أو خوفا لدى الناس بعامة. هناك اعتراضات على حدود وطبيعة العقوبة، مثل الجلد والإعدام وقطع اليد (يمكن المجادلة حول الرجم)، وهي أحكام يمكن مع الإقرار بها أن تكون رمزية مقترنة بالأدلة القطعية التي لا يمكن التشكيك بها. وبسبب استحالة ذلك، فيمكن للقضاة والمشرعين أن يتخذوا سلما متدرجا في العقوبات دون الحد الأقصى حسب الأدلة والحيثيات المتوافرة. وعلى أي حال، فالناس قلقة على الحريات الفردية والاجتماعية أكثر من العقوبات، وإن كانت تحتاج إلى توضيح بأن تطبيق الشريعة ليس عمليات رجم وقطع رؤوس وأيد وجََلد!
المسألة الأساسية المطلوبة هي الالتزام المقدس والمعلن بالحريات الفردية والاجتماعية، واستيعاب التقدم الإنساني والمزاج العام.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد