الإصلاح ما الإصلاح.. و ما أدراك ما الإصلاح..الإصلاح تلك القضية التي صارت حديث الكافة.. الخاصة و العامة، الشباب و الشيب، النساء و الرجال..بل صار الكلام عنها حتى من أعلى رأس الهرم بضرورة الإصلاح و محاربة الفساد. اختلفت عباراتهم و تنوعت كلماتهم و الكل اتفق على مضمون ما يريد؛ ألا و هو الإصلاح.
ما أن تأتي مناسبة من قريبٍ أو بعيد إلا و يبرز الكلام على ضرورة الإصلاح و أن التصدي له أولوية لا تقل عن غيرها.
خذ على سبيل المثال ما حصل في سيول جدة الأخيرة و توالي الكلام و التحاليل الصحفية و التقارير و التي كلها تصب آخر الأمر في تحقيق الإصلاح و أنه مطلبٌ للمرحلة الحالية. و خذ على سبيل المثال كثرتُ الشكوى عند المراجعين للدوائر الحكومية .. تأخير المشاريع الكبيرة بل و تدني جودتها .. ازدياد البطالة .. قلة المقاعد الجامعية .. الحاجة إلى العلاج و لا يجده كل أحد ،هذه صور مما يتداوله الناس و أن الإصلاح مطلب مهم و عاجل و ضروري.
أيها القاريء.. أطرح بين يديك معالم في الإصلاح متناثرة و ليست حاصرة، منتقاة و ليست شاملة، أضعها بين يديك علَّها أن تصادف منك قلباً واعياً، ونكون جميعاً رواداً للإصلاح، وحماةً لمجتمعاتنا من الفساد، و الله الموفق و الهادي لسواء السبيل.
اعلم أن الإصلاح مبدأٌ ثابتٌ جاء به الأنبياء و قرر القرآن أمره و تنوعت الآيات في ذكره و التنويه به. هذا شعيبٌ -عليه السلام- يقول لقومه: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ}سورة هود. وصالح -عليه السلام- قال لقومه: {وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ}سورة الأعراف. ثم إن الله جل وعز نهى عن الفساد في الأرض فقال تعالى:{وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} فكما رأيت عبد الله هذه بعض آيات الكتاب الحكيم تدل بمجموعها على أهمية الإصلاح و أنه من وظائف الأنبياء و أن القرآن قد نهى عن ضده ألا و هو الفساد. و لهذا فإن الشريعة كانت و ما زالت سابقة في محاربة الفساد و الأمر بالإصلاح بل قل إن الإصلاح أمرٌ رساليٌ قديمٌ في البشرية و ليس مختصاً بزمن أو فترة من الفترات.
من معالم الإصلاح الأولى أهمية استشعار خطر ضده ألا و هو الفساد بجميع أنواعه ذلك إن شيوع الفساد الإداري، والاقتصادي، والاجتماعي، والتوظيفي، وفساد السوق، وفساد بعض رجال الأمن، أو بعض الرجال المنسوبين إلى الدِّين في الهيئة أو في غيرها، كلُّ هذا يُجذِّرُ الخيانة، ويعوِّد على السوء.
يقول بعض الباحثين: إن ما يميِّز الفساد العربي تحوُّله إلى ممارسة اجتماعيةٍ معمَّمة. عندما يغدو للقيام بواجب وظيفي ثمن، ولإجراء معاملةٍ مع إدارات الدولة ثمن، ولتصريف أعمال الحُكم ثمن، ولتلزيم المشاريع العامة ثمن، وللنفوس في الانتخابات النيابية ثمن، وللكلمة في وسائل الإعلام ثمن، وللتشريع عند مفاصل معينة ثمن، ولِحُكم القضاء في بعض الحالات ثمن، وعندما يغدو لكل شيء ثمن فإننا نخشى أن يكون الفساد قد أضحى في حياتنا العامة من صُلب ثقافة المجتمع، وأن يكون المجتمع في تلك الحالة قد ابتُلي بما نسميه ثقافة الفساد. اهـ
المعلم الثاني من معالم الإصلاح: معرفة الغاية و تحديد القصد فالغاية لكل من يقوم بالإصلاح ينبغي أن يتقدمها ابتغاء مرضات الله و تحقيق العبودية له و رفع الظلم و تقويم الانحراف فليس الإصلاح لفرض أجندات أو رغبات شخصية تتنافى مع شرع الله و ليست لتحقيق زعامات أو رغبات نفسية و ليتذكر الإنسان قول المصطفى صلى الله عليه و سلم: {إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرؤ ما نوى فمن ....}البخاري و مسلم
الله -جل وتعالى- يقرر في كتابه قاعدة عظيمة جليلة في هذا الباب فيقول عز شأنه: {وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي يعلم من قصده ونيته الإفساد أو الإصلاح".
ثالثاً: ومن معالم الإصلاح أن تكون وسائل الإصلاح مشروعة و ليست محرمة و لا تعود على أمر الشرع بالنقض و لا على حياة الناس بالضنك و العسر كالذي يكون في توصيات البنك الدولي في بعض الدول، وليس التفجير و لا القتل بإصلاح و ليس اختلاط الرجال بالنساء إصلاحا و ليس ترويج الخنا بإصلاح أو إقامة الربا في حياة الناس إصلاحا أبداً.. و الله تعالى ذكر الأمر بالإصلاح كما في قصة شعيب عليه السلام و كانت الانحراف عندهم في عبادة غير الله و التطفيف في المكاييل. يقول السعدي: "إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ" أي: ليس لي من المقاصد إلا أن تصلح أحوالكم، وتستقيم منافعكم، وليس لي من المقاصد الخاصة لي وحدي شيء، بحسب استطاعتي.
رابعاً: و من معالم الإصلاح أن الإصلاح يكون في أمر الدين والدنيا معاً ذلك أن الدين هو صلاح الآخرة و كذلك صلاح الدنيا فيه صلاح معاش الناس. والإصلاح الدنيوي لا يتنافى مع الأحكام الشرعية فإن الشريعة جاءت لتنظم الدنيا و تنظم معاش الناس ولا عليهم إن هُم ابتغوا الوسائل والأساليب التي يصلُحُ بها حالُهم ولو لم يكن مما نصَّت عليه الشريعة، ولكن بشرط ألا يكون مما يُخالفها.. فإن الشريعة لأمور معاش الناس إطار عامٌ تستطيع أن تتحرك داخله كيف تشاء ما لم تخرق حدوده.. وإنك واجدٌ فيها أصول صلاح معايش الناس و لذلك تجد في القرآن و السنة أبوابا راعت حال الدنيا مثل أحكام الربا و البيع و النكاح و الطلاق و التربية و الميراث و حقوق الطريق و حقوق الراعي و حقوق الرعية و أحكام الهبة و القرض و منع الرشوة و أكل المال العام و أبواب الفقه تنقسم في العموم إلى قسمين كبيرين و هما العبادات و المعاملات. فمن أراد الإصلاح و سعى فيه فليعلم أن إصلاح دنيا الناس أمرٌ مشروع بل قد يكون واجباً و يكون هذا الإصلاح بما يرضي الله تعالى. يقول القرطبي في الآية السابقة: "أي أن تصلحوا دنياكم بالعدل وآخرتكم بالعبادة"
خامساً: و قد جاءت الشريعة بوسائل لتحقيق الإصلاح و محاربة الفساد و من أعظم هذه الوسائل النصيحة و التي قررها المصطفى صلى الله عليه و سلم كما عند مسلم من حديث تميم الداري رضي الله عنه: { الدين النصيحة قلنا : لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم .}
و من وسائل الإصلاح الناجعة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و التي قد عظّم أمرها ربنا جل جلاله قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }و قال : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} و بالأمر بالمعروف تُحفظ سفينة المجتمع و يدرأ شرٌ كثير، في البخاري من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : {مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها ، مثل قوم استهموا سفينة ، فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها ، فكان الذي في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها ، فتأذوا به ، فأخذ فأسا ، فجعل ينقر أسفل السفينة ، فأتوه فقالوا : ما لك ، قال : تأذيتم بي ولا بد لي من الماء ، فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم ، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم}
وهنا ليسأل كل واحدٍ منا نفسه كم مرة رأى خطأً في مكان عام يمس صاحب الشأن و يمس عامة الناس فأنكر عليه ووجهه بالتي هي أحسن. إن كثيراً مما يُتهموا بأنهم أعمدة فساد بدأ فسادهم بأمرٍ صغير و هو منا و يعاشرنا لكنه لم يجد من ينصحه و لو برفق و ينبهه فتدرج في فساده حتى أصبح رقماً لا يُستهان به في الفساد و مع هذا يظل أمره بالمعروف و نهيه عن المنكر واجباً كفائياً لدرء فساده و لتحقيق الصلاح له و لباقي المجتمع.
و ليُعلم أن النصيحة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر تكون بالضوابط و الشروط التي تكلم عنها أهل العلم بعد استقراء الشريعة من مراعاة الحال و المآل و هل يترتب على هذا الأمر منكرٌ أكبر من الواقع أو هل يفوتُ معروفٌ أكبر بهذه الأمر و كل هذه الأمور يُرجع فيها إلى أهل العلم و ما دونوه في مواضعه.
سادساً: ومن معالم الإصلاح مراعاة السنن الإلهية في حياة الناس و أن التدرج سنة قدرية يجب أن تُراعى و ليس بأن لا تُطلب أو لا ينبه إلى خطورة الأمر و لكن النظر في ماذا تبذل الجهود و تُعطى الأوقات تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كما عند البخاري: { إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل ، فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء : لا تشربوا الخمر ، لقالوا : لا ندع الخمر أبدا ، ولو نزل : لا تزنوا ، لقالوا : لا ندع الزنا أبدا ، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب : { بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر } . وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده }
رغم أنهم في العهد المكي قد فهم الصحابة حرمة الخمر و الزنا و أهمية الصلاة و الصدقة و صلة الرحم كما الحوار الشهير بين النجاشي رحمه و بين جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.
و من معالم الإصلاح أن الإصلاح أمرً مناطٌ بكل واحدٍ منا كلٌ بحسبه، فليس أحدٌ من الناس يخلو من مهمة الإصلاح.. فالمسؤول يجب عليه القيام بالإصلاح بدءاً من الأمراء وولاة الأمور حتى يصل الأمر إلى مدراء الإدارات و رؤساء الأقسام و مسئولي الشركات وفي نفس الوقت لا بُدَّ أن يكون للإصلاح نصيبٌ عليك أنت في حياتك العادية فالأب في بيته و المرأة في بيت زوجها والمواطن العادي، والصديق مع صديقه؛ كلٌ له نصيبٌ من الإصلاح بحسبه. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: { ألا كلكم راع . وكلكم مسئول عن رعيته . فالأمير الذي على الناس راع ، وهو مسئول عن رعيته . والرجل راع على أهل بيته ، وهو مسئول عنهم . والمرأة راعية على بيت بعلها وولده ، وهي مسئولة عنهم . والعبد راع على مال سيده ، وهو مسئول عنه . ألا فكلكم راع . وكلكم مسئول عن رعيته}رواه مسلم
و إذا عُلِمَ هذا فليس لأحد أن يوزع المسئوليات على زيدٍ و عُبيد و يرى نفسه خالياً من أي إصلاح، تراه يُشيد بعمر بن عبد العزيز و إذا فتشت في حاله في عمله وجدته على سيرة الحجاج بن يوسف إن نصحه ناصح سرد لك الحجج العقلية بل و الشرعية و أنه لم يرتكب خطئاً. عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : {ما من رجل ولي عشرة ؛ إلا أتى به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه ، حتى يقضى بينه وبينهم} و حكم عليه الألباني بأنه حسنٌ صحيح.
و من معالم الإصلاح المهمة تولية القوي الأمين {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} الحفيظ العليم {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} إنه لا غنى للناس لصلاح أمرهم من الأمرين فهما كالجناحين للطائر، لا غنى لهم عن أن يُوَلُّوا الأكفاء، وأن يستعملوا الصالحين المُصلحين، مع وعظهم وتذكيرهم بالله، فأهل الأمانة أولى بتحمُّل الأمانة، ولا بد مع ذلك من تفعيل الجوانب الرقابية. فلا يُغني صلاح الصالح عن مراقبته، كما لا تكفي المراقبة في أداء دور أهل الأمانة. فإذا اجتمع للناس هذا وهذا أُمنت السُّبُل، وأُدِّيَت الأمانات، ارتاح الناس.
عبد الله إن مسألة الصلاح والإصلاح لا تكتمل مع ما مر من تنبيهات ومعالم إلا بتكثيف جانب الإيمان والوعظ، والتربية على الفضيلة، وتنمية جوانب الرقابة والمحاسبة. وإن كانت المحاسبة في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تتضمن قول الخليفة لأمرائه: من أين لك هذا. فيجب علينا في هذا الزمن الذي توفرت فيه السُّبل أن يكون للمسئول الأكبر دور مع المسئولين حتى لا يصل إليهم –ابتداءً- هذا. فإن وسائل المتابعة تتطور، وإمكانية ضبط الأمور أكبر وأوفر.
و اعلم قارئي الكريم أن انتشار أوجه الفساد في ناحية أو جانب لا يعفينا في أن نكون سلبيين بل علينا أن نلتزم الحق والأمر به ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً فإن فسد الناس فاستمسك بحبل الله، وبالعروة الوثقى، ولو أن تعض على أصل شجرة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)). فاستمسك يا رعاك الله بفسيلة الخير، ودُلَّ الناس عليها، وانه عما سواها، ولو كنت تعلم أنها لا تفيد، فليس لك إلا القيام بالمعروف، ولا عليك أن يقتدي بك الناس أو لا. عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنْ قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليفعل)).
أخيراً و ليس آخراً فللإصلاح معالم و مجالات و وسائل يدركها من جعله غايته و طلبه من موارده و نثر له كنانته وفقك الله للصلاح و الإصلاح ... آمين آمين آمين.
المراجع
عودة و دعوة دوت كوم
التصانيف
عقيدة