معظم المقالات والبيانات والتصريحات التي أعقبت التصرفات غير المسؤولة التي قام بها مئات من المنفلتين يوم الجمعة المشهود في اعتدائهم بالحجارة والعصي وشتائمهم المتواصلة للمعتصمين في دوار الداخلية كانت تؤكد بأن هذا الامر كان مدبرا ومخططا من قبل «جهات» تراوحت ما بين الحكومة والأجهزة الأمنية من أجل بث روح من التخويف والعداء للإصلاحيين في الأردن. لا أعتقد أن أيا من الذين أطلقوا هذه التصريحات يمتلك أدلة واقعية على ذلك باستثناء أن معظم المشاركين جاؤوا من مسيرة نداء وطن التي بدأت في حدائق الحسين صباحا واستمرت إلى ما بعد صلاة الجمعة وتفرق معظم المشاركين بها بينما انتقل البعض إلى دوار الداخلية.

جموع المشاركين في الاعتداء على المعتصمين تمثلت في نسبة عالية من الشبان ولكنها ايضا تضمنت مراهقين واطفال ما بين 11-17 شاركوا في تجربة الضرب الجماعي هذه، وكان منهم أيضا مواطنين من كبار السن والذين يفترض فيهم رجاحة العقل والمنطق، ولكن الجميع إشترك في شعور واحد وهو الكراهية الشديدة للمعتصمين في دوار الداخلية.

هذه الكراهية التي تمثلت في رغبة حقيقية في الإيذاء الجسدي لا يمكن أن تكون قد ظهرت خلال ساعات أو حتى أيام من «التنظيم والتحشيد» كما يقال بل هي نتاج لسنوات طويلة من زرع التعصب والكراهية وسوء الفهم، وهذا يحدث أما في العائلات أو التجمعات الاجتماعية أو المدارس أو الجامعات أو معظم وسائل الإعلام والتي تتحمل مسؤولية كبيرة فيما يحدث. هنالك المئات الذين جاؤوا إلى دوار الداخلية يحملهم شعور صادق بالخوف على البلد بسبب سوء فهم يحملونه مفاده أن المتظاهرين والمطالبين بالإصلاح يريدون تفكيك البلاد وجرها إلى حالة صراع ويريدون تقليص صلاحيات الملك تمهيدا لتغيير مستقبل الأردن. وللاسف فقد تم التعبير عن ذلك الشعور بأسوا طريقة ممكنة، ومن يشاهد الصور والتسجيلات يعرف أن الغالبية العظمى من هؤلاء المهاجمين لم يعبأوا حتى برجال الأمن وقاموا بالاعتداء عليهم وإزاحتهم عن الطريق ومعظم الإصابات التي لحقت برجال الأمن كانت عن طريق المهاجمين.

المشكلة ليست «تحريضا وتنظيما» من قبل الحكومة أو الأمن بل هي مشكلة ثقافية باتت مترسخة نتيجة سنوات من زرع التعصب وفشل الدولة وسياساتها الإعلامية والاجتماعية في خلق شعور عام بالمواطنة يتعامل مع كل أردني بمساواة واحترام. في منتصف التسعينات تم اتخاذ قرار في منتهى الخطورة لمواجهة تنامي إنتشار التيار الإسلامي في الجامعات عن طريق خلق «تيار وطني» يتمتع بدافع اجتماعي مماثل للدافع الديني في قوته وهو الدافع العشائري. وفي هذه الحالة تم خلق «وحش إقليمي» لم يعد من الممكن السيطرة عليه وإنتشر نتيجة تزايد التغذية المتطرفة من جهة والشعور بالثقة من قبل أفراد هذا التيار بأنهم يمثلون الدولة الأردنية بل أنهم قادرون على تجاوز القانون بدون مساءلة. وإذا ما أردنا أن نتتبع جذور هذا المرض الإقليمي الذي نعاني منه حاليا يجب أن نعود 15 سنة إلى الوراء على الأقل وإلى جامعاتنا الأردنية.

وفي المقابل فشلت ايضا الأحزاب العقائدية سواء الإسلامية واليسارية والقومية في إذابة الثنائية الإقليمية منها، ويشهد كاتب هذه السطور على مواقف في غاية الإقليمية والتعصب ظهرت من قبل أعضاء في جبهة العمل الإسلامي وأحزاب يسارية وقومية أثناء الدراسة الجامعية وكذلك اثناء النشاط الإعلامي والسياسي الذي خاضه. اتهام الحكومة والأجهزة الأمنية بتحريض المهاجمين والتجييش الإقليمي هو تبسيط مخل ويعطي نتائج غير سليمة لأن المشكلة قد تكون موجودة في كل منزل وفي كل مؤسسة مدنية وعامة ووسيلة إعلام وهي تواصل التغذية على الهواجس والمخاوف المتناقضة وشعور كل طرف بأنه ضحية للسياسات القائمة والرغبة في تغيير هذا الوضع واعتبار الطرف الثاني النقيض الذي يجب تجاوزه لتحقيق الهدف.

عودة إلى أرشيف وسائل الإعلام والنشاط السياسي في الأردن تشير بأن نسبة كبيرة ممن يتباكون الآن على الوحدة الوطنية كانوا شركاء في تغذية شعور الكراهية والتناقض وإذا ما أردنا أن نجفف منابع هذا التحريض علينا أن نعالج أنفسنا أولا والأمراض التي تنتشر فينا وأن يكون دورنا إيجابيا في تعزيز الشعور بالمساواة والمواطنة وعدم الحكم على أي شخص أو تقييمه بسبب الأصول والمنابت والتأكيد على أن المؤشر الوحيد للانتماء في الأردن هو الإخلاص للبلد والعمل من أجلها بنزاهة وجدية وهذه صفات لا تقتصر على طرف دون الآخر.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور