الزمان 1982
المكان حلب الشهباء


أمسية تشرينية باردة. أوائل الشتاء وبواكير الخير. كنا عائدين من نزهة في حديقة السبيل التي طالما حلمت بزيارتها. كنا ننتظر قدوم الحافلة. أحيانا نتمشى وأحيانا نقف ننظر إلى ما حولنا من معالم وبشر.
اقتربت الشمس من السفر إلى العالم الثاني. وبدأت السماء تتحضر للبس عباءتها والنسمات تشتد برودة كنا نلف بعضنا البعض بأيدينا. وفي لحظة وقوف وحديث أشجان وسعادة عارمة
اقتربت مني أكثر فأكثر ووضعت رأسها على صدري وضمت يديها إلى بعضهما واقتربت أكثر
والتصقت أحسست تلك اللحظة كيف يكون الرجل هو الجناح الذي تأوي إليه الأنثى وكم كنت سعيدا في تلك اللحظات .أحسست بها ترتجف من البرد.
رغم أنني كنت أحس بنفس الإحساس إلا أنني خلعت معطفي ووضعته على كتفيها كنت أدرك أنها بقربي وهي تلازمني سوف تمنحني الدفء الكافي. ضمته على جسمها ونظرت إلي وابتسمت ابتسامة شكر وامتنان ثم اقتربت من كتفي ووضعت عليه طابع الشكر كعادتها كلما أرادت أن تشكرني.
على خطوات منا وقفت صبية في مقتبل العمر مع أمها. كانت تراقبنا طوال الوقت تراقب حركاتنا وقفاتنا ضحكاتنا ولكن أكثر شئ لفت انتباهها هو موضوع المعطف. نظرت إلى أمها
وابتسمت وبادلتها أمها نفس الابتسامة وأكملتها لها بدعاء بأن يرزقها الله ابن الحلال.
مازلت رغم تقدم العمر أذكر ذلك الموقف.
ومرت الأعوام ومرت الأيام بحلوها ومرها ولابد للمرء أن يختبر قساوة الحياة وضريبة
المسئولية في لحظات اسوداد القلب وتقلب المشاعر وحرقة يجدها الرجل في نفسه حيث يندم على ذلك القرار الذي لابد منه . تلك اللحظات مررت بها كثيرا . أحيانا وفي حلكة الظلمة الآتية من قلوب الغاضبين أحدث نفسي وأقول ليتني يومها خلعت المعطف عنها وألبسته لتلك الصبية المسكينة. ربما كنت وفرت على نفسي مثل هذه المعاناة.
وفي لحظة تتأجج المشاعر وازدهار ربيع العواطف وفي غطاء من السعادة العارمة والابتسامات المتطايرة في أرجاء المكان أقول
لا أنثى في هذا الكون تستحق المعطف إلا هي فهي الأولى لأنها هي الأولى.

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب