بعكس الغالبية العظمى من الأنظمة والحكومات في المنطقة، قررت الدولة الأردنية أن تتعامل بإنضباطية هادئة مع الاعتصامات والنشاطات الجماهيرية المختلفة التي بدأت قبيل ثورتي مصر وتونس وتضاعفت حدتها بعد ذلك. التعامل الأمني مع النشاطات الجماهيرية استمر من خلال منهجية منظمة في تقليص تسليح رجال الأمن إلى الحد الاقصى الممكن للدفاع عن النفس والتأكيد على حماية كافة المعتصمين والمختلفين معهم في الرأي وهم موجودون في المجتمع ولا مجال لنكرانهم. عدد النشاطات الجماهيرية منذ ثلاثة اشهر قارب على المئة ومرت كلها بسلام ومن دون تبعات أمنية باستثناء ثلاثة حوادث في المسجد الحسيني وبعدها بثلاثة اسابيع في دوار الداخلية وبعد ذلك بأسبوعين في الزرقاء. ولكن السؤال هل يعتبر الأمن العام الجهة الملامة في هذه الحالات، وما هي المسؤولية المترتبة على الجهات المنظمة للاعتصامات، والتجمعات المضادة، ومتى يجب أن تقول الدولة: كفى، هذا الخيار ما عاد ممكنا
في حادثة الجامع الحسيني تفاصيل مزعجة أكثر من بقية الحوادث وأهمها أن اعتداء الجماعات المهاجمة على المعتصمين كان هو الحادث الأول من نوعه، وتم دون تدخل مؤثر من رجال الأمن لحماية المعتصمين كما لم يتم الكشف عن تفاصيل القضية بالرغم من تشكيل لجنة تحقيق وضع فيها وزير العدل المشهود له بالنزاهة ثقته وتحمل مسؤوليتها مسبقا. هذه الحادثة والتساهل في التعامل معها أمنيا وسياسيا إلى مستوى السماح للمتورطين بالإفلات من المحاسبة أرسل رسالة في الاتجاه الخاطئ مفادها أنه يمكن إرتكاب العنف مع المعتصمين دون دفع الثمن.
في قضية دوار الداخلية ظهرت النتائج المدمرة لهذه السياسة. ولكن قبل الاستطراد في وصف حادثة الداخلية لا بد من أن تتمتع الجهة المنظمة لها بالشجاعة في تحمل مسؤولية اتخاذ القرار الخاطئ تماما في إقامة الاعتصام في دوار الداخلية والتأثير على حركة السير لكافة المواطنين في محاولة لمحاكاة المشهد المصري في اعتصام مفتوح يشكل جاذبية إعلامية متواصلة. الدولة قررت السماح بالاعتصام طيلة الليلة الأولى بالرغم من المضايقات وبالرغم من حقيقة أن كافة طلبات المعتصمين تحتاج لاسابيع لتحقيقها ولم يكن بالإمكان تخيل السماح باستمرار الاعتصام بهذه الطريقة لأسابيع. كان واضحا أن الدولة أمام موقف صعب فهي بحاجة إلى ضبط الأمن في منطقة خطرة جدا ومفتوحة لكل أنواع المجاميع البشرية والحاجة إلى الحفاظ على سمعة الأردن ونموذجه السلمي في التعبير السياسي وبكل أسف فإن الجهات المنظمة للاعتصام لم تدرك هذه المعادلة واستمرت في طموحها الرومانسي في تجميد حركة الشارع مقابل رفع شعارات متباينة أقلها وقتا يحتاج إلى اسابيع كما اسلفنا.
واقول بكل صراحة إن القرار الذي كان يمكن أن يتخذ وبكلفة معقولة تلك الليلة هو فض الاعتصام بالحد الأدنى من القوة بوجود العدد الاقل من المتظاهرين في ساعات الفجر. طبعا كان ذلك سيجلب نقدا للأردن من منظمات حقوق الإنسان والمعارضة بسبب قمع “الاعتصام السلمي” ولكن كلفة ذلك كانت ستكون أقل بكثير من النتائج السيئة لليوم التالي والتي كان أكثرها مدعاة للحزن وفاة مواطن من المعتصمين وتوتر المزاج السياسي العام في الأردن.
في حادثة الزرقاء التزم رجال الأمن أيضا بالحد الأدنى من التسليح حماية للمعتصمين والمواطنين وكانت النتيجة تعرضهم لهجوم منسق من القوى التكفيرية نجم عنه عشرات الإصابات والتي تسببت في غضب شديد لدى كافة منتسبي الأمن العام والدرك ونحن نعرف مدى التضامن الكبير بين أفراد هذه الاجهزة الذين تعتمد سلامة اي منهم على مشاعر الأخوّة مع الزملاء والشعور الجماعي المشترك بينهم. وبالإضافة إلى ذلك فإن هذا الاعتداء تسبب في غضب كبير لدى المجتمع الأردني الذي يحترم ويقدر الأجهزة الأمنية والتي تمثل الاستقرار الذي يميز الدولة الأردنية.
في وقت ما تأتي الحاجة إلى قول “كفى، لن نرضى بذلك” والخطوة الأولى هي في عدم السماح بإقامة اعتصام القوى التكفيرية المزمع في مخيم البقعة يوم الجمعة فهذه وصفة إنفجارية بامتياز ولا يوجد اي مبرر سياسي أو إصلاحي يدعم السماح بهذه الخطوة ذات التأثيرات المدمرة على مسيرة الإصلاح التي يجب أن تصل في النهاية إلى تشريعات وسياسات وتطبيقات عصرية في إدارة الدولة ومكافحة الفساد وليس الإنغماس في مواجهات الشارع.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور
login |