يتابع العالم بذهول مشاهد الشغب والتخريب والنهب والسرقة التي تجتاح لندن وبعض المدن الإنجليزية الأخرى منذ 4 أيام، في مشهد يبدو غريبا إلى حد ما عن المجتمعات الغربية الصناعية في القرن الحادي والعشرين وقريبا من مشاهد الشغب والاحتجاجات في الدول النامية.

بالتأكيد أن هنالك إغراءات للمقارنة ما بين ما يحدث في إنجلترا حاليا وما بين مسلسل الثورات والإحتجاجات العربية، ولكن المنطق يقتضي توضيح أن هنالك فوارق كبيرة ما بين الحدثين إلى درجة من الصعب فيها إجراء أية مقارنة موضوعية.

ما يحدث في بريطانيا حاليا ليس احتجاجا سياسيا أو اقتصاديا منهجيا كما هو في الشارع العربي. صحيح أن معظم المحتجين هم من الشباب والذين يواجهون الشرطة ويتحدونهم ولكن ممارسات النهب والسرقة والاعتداء تشير بأن الغالبية العظمى من المشاركين هم من شبان ومراهقين غير منضبطين واصحاب توجهات إجرامية أكثر من كونهم من المحتجين أصحاب الرسائل السياسية والاقتصادية.

بريطانيا تخوض الآن نقاشا حاميا حول اسباب هذه الثورة، وتتركز المحاور الجادة حول مشاكل سوء التربية وتراجع القيم لدى الشباب إضافة إلى وجود نوع من التهميش والحرمان الاقتصادي. ولكن الغريب هو أن شبانا من كافة الأعراق والديانات والطبقات الاجتماعية يشاركون في هذه الإضطرابات والتي انتشرت من لندن لتصل إلى كبريات المدن الصناعية في الشمال مثل مانشستر وليفربول إضافة إلى مدينة بيرمنغهام المعروفة بكثرة تنوعها العرقي والديني.

ما يحدث حسب رأي نسبة عالية من المحللين البريطانيين وحسب المقالات والأخبار المنشورة في الصحف البريطانية الجادة مثل الجارديان والإندبندنت هو شعور نسبة عالية من الشبان بعدم انتمائهم إلى المجتمعات التي يعيشون فيها سواء من ناحية الانتماء العائلي أو الاجتماعي الأكبر وبالتالي لا توجد لديهم رغبة ولا حاجة بضرورة الدفاع عن هذه المجتمعات وبنيتها الاقتصادية مثل المراكز الحكومية أو المحال التجارية وبالتالي التوجه نحو استباحة المجال العام.

رد الفعل الرسمي من قبل الشرطة البريطانية كان غير مؤثر لأن الشرطة لا تحمل الأسلحة، كما أنها مقيدة بكثير من قوانين حماية حقوق المواطنين وبالتالي لا تستطيع استخدام العنف المفرط بالرغم من أنها تواجه حشودا من الشبان العنيفين وليس المثقفين السياسيين أو الشبان الطامحين بتغيرات ثقافية وسياسية ناضجة، وهذا ما طرح فكرة الاستعانة بالجيش البريطاني لفض الأزمة في حال لم تتمكن الشرطة من معالجة الموقف.

هنالك أيضا شكوك كبيرة في المجتمع البريطاني حول قدرة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون على تحمل المسؤولية في هذه الظروف الصعبة، ويطالب الرأي العام بالمزيد من القوة في فرض النظام ولو على حساب حقوق الإنسان. وقد شكلت العديد من الأحياء واصحاب المحال التجارية فرقا محلية لحماية الممتلكات تماما كما حدث في مصر أثناء الأيام الأولى للثورة حيث إضطر المواطنون إلى استخدام مواردهم الذاتية في الحماية بعد غياب الأمن عن ممارسة هذا الدور.

تحت التألق الظاهري للمجتمعات الغربية الصناعية تكمن العديد من المشاكل الاجتماعية التي قد تكون مختلفة عما نواجهه في مجتمعاتنا العربية ولكن هذه المشاكل قد تنفجر عند أول شرارة لتصبح مواجهة مباشرة مع سياسات الدولة ورموزها. ومن الواضح أن التحولات السريعة لا تحدث فقط في المجتمعات النامية حاليا بل أيضا في المجتمعات الصناعية والتي سوف تضطر، بعد حوادث بريطانيا إلى إعادة تقييم واكتشاف المفاهيم والقيم التي يحملها جيل الشباب وهل يمكن أن تشكل خطرا على استقرار هذه المجتمعات في المستقبل.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور