ليس كثيرا ولا صعبا أن تجري مئات جلسات الاستماع؛ استماع فقط للبلدات والمناطق والدوائر الانتخابية، والجماعات والمصالح العامة والمهنية والمعيشية، وجماعات الإصلاح والوعي الممكن تشكلها حول قضايا الإصلاح والعدالة والتنمية وإصلاح الضريبة والإنفاق العام والخدمات الأساسية، والفئات المتضررة من التشريعات والسياسات القائمة من أصحاب الأعمال والمهن والمصالح، وسكان المناطق والأحياء المهمشة والمتضررة وقليلة الاستفادة من الانفاق العام؛ وأن تفكر فيما يمكن أن تعمله في الانتخابات لأجل تحقيق أهدافها ومصالحها وتطلعاتها، وأن تقيّم المرشحين على هذا الأساس.
إن أسوأ ما يمكن أن تصاب به العملية السياسية والانتخابية هو أن تتحول المجتمعات إلى جهة ضغط ومطالبة أو تأييد. فالمجتمعات شريك مستقل في الحياة السياسية والاقتصادية، وليس تحت وصاية الحكومة أو الشركات، ولا يمكن أن يكون ثمة إصلاح حتى لو قدمت للمجتمعات جميع مطالبها، وأعفيت من الضرائب. فالإصلاح يقوم على المشاركة وليس على الإغداق والمنع، والعطاء والحرمان، والتهديد والإغراء والدلال. 
بالتأكيد، فإن تقدما كبيرا يمكن أن يحصل، وإنجازات كبرى يمكن الحصول عليها إذا تهيأت للمجتمعات والدول قيادات سياسية وحكومات مبادرة وذات سوية عالية، ولكنه إصلاح يشبه فكرة المهدي المنتظر.. فلا يضمن الإصلاح وإدامته سوى مجتمعات تقوم حياتها ومصالحها حوله، وتشارك السلطة التنفيذية والقطاع الخاص على هذا الأساس، وتكون الانتخابات مناسبة عظيمة للمراجعة والتفكير في تنظيم المجتمعات وتشكلها حول أولوياتها واحتياجاتها، وليس لأجل المطالب والضغط مهما كانت هذه المطالب محقة وعادلة.
وضمن هذا السياق، يمكن القول إن الحكومة (السلطة والطبقة)، والنواب والأعيان، ليس لهم مصلحة في إجراء الانتخابات، لأن ذلك يعني  ببساطة حل مجلس النواب واستقالة الحكومة، ومن المتوقع بطبيعة الحال أن تفضل الحكومة بقاء المجلس وأن يسعى المجلس في إطالة عمره. وهذا بالمناسبة ليس عيبا أو قدحا في الحكومة والنواب والنخب السياسية والاقتصادية، ولكن عندما يجري ذلك في منظومة من التنافس السياسي والاجتماعي، تشارك فيه المجتمعات والقوى والجماعات الاجتماعية والسياسية، وتدير عقدا اجتماعيا قائما على توازن السلطة والتأثير. وهذا لا يقوم إلا بوجود مجتمعات مستقلة وفاعلة وحية، وتملك مواردها الخاصة بها وولايتها على شؤونها وخدماتها الأساسية، وتتعامل مع الحكومة من موقع المشاركة، وقادرة على التأثير في الحكومة من خلال الانتخابات.
فالجزء المثالي والجميل والمجرد من المصلحة والمنفعة في الإصلاح لا يشكل أكثر من نسبة الزكاة في الأموال والزروع والثمار، ولولا التجارة والمصالح والاستثمار والربح لما كانت الزكاة ابتداء.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد