الفيلسوف الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، أمارتيا سن، يرى أن التقدم الاقتصادي يقوم على العدالة. وبطبيعة الحال، فإن الاقتصاد العادل هو مدخل الإصلاح.
نضحك على بعض ونحن نتحدث عن الديمقراطية والتشريعات السياسية إذا لم تنشئ هذه الديمقراطية نظاما اقتصاديا عادلا؛ ماذا أعمل بانتخابات حرة ونزيهة، إذا كان مديرو المؤسسات العامة والسفراء وكبار الموظفين وأعضاء مجلس الإدارة يعينون بناء على شهادة ميلادهم، أو لتعويضهم عن فشلهم في القطاع الخاص، أو مكافأة لهم على الفساد؟! وماذا أفعل بقانون مطبوعات متقدم وديمقراطي، إذا كانت موارد البلد تتحكم بها نخبة مغلقة؟! وماذا يعنيني أن يكون ثمة أحزاب سياسية تعمل بحرية، إذا كانت الضريبة تؤخذ من الفقراء وتمنح إلى الأغنياء؟!
ولكن مشكلتنا في الأردن أعمق وأعقد من تحقيق العدالة؛ نحتاج أولا إلى مجتمع. إذ ليس لدينا مجتمع تطبق عليه العدالة، ويطالب بالعدالة، ويتشكل حولها. وليس لدينا مدن تنشأ حول الأسواق والأعمال والموارد، وليس لدينا أسواق قائمة على الموارد والإضافة إليها؛ نحن تجمّع من السكان يقيمون في أمكنة لا تنظمها روابط المدن والمراكز الحضرية.. والموارد ليست واضحة ولا حقيقية، والأعمال والأسواق الناشئة حولها تبدو أقرب الى القطيعة. هذه المجتمعات والمدن المفتعلة والمعتسفة لا تنشئ قيما للعدالة تطالب بها وتسعى إليها، وأحزابها ومنظمات المجتمع المدني فيها أقرب إلى غرفة التجارة منها إلى الناس، بل إن الناس يرونها مثل محلات بيع الكافيار أو بائعي الإشارات او الأعشاب الطبية، والتداوي بالرقي والمأثورات، ولا تؤثر في الموارد وحياة الناس وأعمالهم أكثر من البسطات.
يقول سن: "كي تصلح نظرية ما في العدالة كأساس للتفكير العملي، لا بد لها من أن تتضمن طرقا لتقدير كيف يمكن إنزال الظلم وإعلاء العدل، بدل التوجه فحسب إلى وصف المجتمعات التي تتسم بعدالة كاملة. وهذه الممارسة الأخيرة سمة طاغية على كثير من نظريات العدالة في الفلسفة السياسية اليوم. وإن لممارستي تحديد ترتيبات العدالة الكاملة، وتحديد ما إذا كان تغيرٌ مجتمعي ما سيعزز العدالة أم لا، صلات بالدوافع، ولكنهما ممارستان منفكتان عنها تحليليا".
لكن يبدو واضحا بما فيه الكفاية في حياتنا اليومية، لا من أشكال الظلم والاستبعاد التي يمكن أن تقع علينا نحن، ولدينا سبب وجيه للاستياء منها فحسب، بل مما نراه من هذه الأشكال في العالم الأوسع الذي نحيا فيه. ولم تكن الثورة الفرنسية، أو حركة غاندي في مواجهة الاستعمار الإنجليزي، أو حركة مارتن لوثر كنغ في مكافحة سيادة العرق الأبيض، ما كان لمثل هذه الأعمال والإنجازات وغيرها أن تقع لولا الشعور بالظلم. لم يكونوا يحاولون التوصل إلى عالم من العدالة الكاملة، لكنهم أرادوا أن يرفعوا المظالم الواضحة بالقدر الذي يستطيعون.. يقول سن: إن إدراك المظالم التي يمكن رفعها لا يدفعنا إلى التفكير في العدل والظلم فحسب، بل هو لب نظرية العدالة أيضا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد