وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى
وفيها لمن خاف القلى متعزل
عندما قرأت مسرحية "أهل الكهف" لتوفيق الحكيم العام 1975، وكان عمري 13 سنة، ثم أعدت قراءتها العام 1981 في جلسة واحدة، داهمني شعور عميق بالحزن والسؤال عن المعنى والجدوى. كانت المشاعر ثقيلة جدا لم أحتملها، فرحت في نوم عميق طويل، استمر من ساعة الغروب حتى اليوم التالي.. وما تزال تلك الأفكار والأسئلة تراودني على نحو مؤثر ومحزن.
العائدون من الكهف مليئون بحب الحياة، ولكنهم لم يجدوا حياتهم التي أحبوها وعرفوها. كان الملك الوثني قد رحل، وتحولت البلاد الى المسيحية. واحتفل الملك والناس بهم على أنهم قديسون، ولكنهم لم يحفلوا بذلك. سألوا عن عائلاتهم، فبهت الناس من سؤالهم؛ هم يظنون أنهم غابوا يوما أو بعض يوم، والناس لا يدركون أنهم لا يدركون أنهم غابوا في الكهف مئات السنين. وعندما استوعبوا أنهم غابوا 300 سنة ولم يعد أحد من أحبائهم على قيد الحياة، أصابهم إحباط كبير، وفقدوا الرغبة في الحياة. لم يعوضهم الاحترام الكبير والتقديس اللذان عوملوا بهما، ولا التكريم في قصر الملك.. عاد القديسون إلى الكهف ودفنوا أنفسهم.
تأخر أحدهم لأنه وجد ابنة الملك بريسكا، وأعتقد أنها بريسكا ابنة الملك أوقيانوس الذي كان يعمل في بطانته. كان الحوار مستحيلا بين الفتى العاشق والفتاة التي تراه قديسا، بعثه الله بعد غياب 300 سنة. وعندما عجز عن التفاهم معها أو إقناعها بحبه، رجع إلى الكهف ولحق برفاقه الذين سبقوه.. ولكن قبيل لحظة إغلاق الكهف وبناء مسجد على القديسين، غيرت بريسكا رأيها، ولحقت بالقديس إلى الكهف محاولة استرجاعه. ولكن فات الأوان، ودفنت معه في الكهف!
عندما يعجز الإنسان عن إدراك الحياة وفهمها كما هي، عندها يسلك ويفكر متجاهلا الحقائق التي حوله وكأنها غير موجودة. على المستوى الفردي، يكبر أحدنا في العمر ولكنه يعجز عن إدراك التغيرات التي أصابته في جسمه وقدراته، وما أصاب الدنيا من حوله؛ وعلى المستوى السياسي والاجتماعي فإن النخب والقيادات في عجزها عن فهم التحولات والتغيرات التي تحيط بالناس والمجتمعات والبيئة المحيطة بالمصالح والأعمال، تبدو (هذه النخب) في حالة مَرَضية يرثى لها. القادة السياسيون في بلادنا، على سبيل المثال، يحسبون أنهم "باشوات" في زمن الاقطاع؛ هذا برغم أن آباء ثلاثة أرباعهم كانوا فلاحين فقراء! وهم لا يدركون أن الناس لا تراهم كما يرون أنفسهم، بل وأن المجتمعات والناس تسخر منهم.
وفي المقابل أيضا، فربما يكون الكهف والعزلة أفضل وسيلة لحماية الإنسان لنفسه، والحفاظ على ثرائه الفكري، ومواصله ارتقائه بروحه ونفسه؛ فليس الكهف دائما تخلفا عن الناس، إذ أحيانا يكون تقدما عليهم.
هذا ما يلح عليّ منذ قرأت المسرحية حتى اليوم، ويعاودني مثل حمّى كلما وردت أصدرتها ثم تثوب فتأتي من تحيت وعل، كما يقول الشاعر الشنفرى.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد