هنالك شبه إجماع بين المراقبين السياسيين الأردنيين والدوليين على أن العلاقات الرسمية بين الأردن وإسرائيل تمر حاليا في واحدة من أسوأ مراحلها منذ توقيع اتفاقية السلام في العام 1994. ويعود السبب في ذلك إلى السياسات الإسرائيلية التي تعادي المصالح الأردنية الإستراتيجية المتمثلة في إقامة الدولة الفلسطينية والمضي قدما في خيار الدولتين وإيجاد حل لقضية اللاجئين وقضية القدس والحدود بما يتناسب مع قرارات الأمم المتحدة.

وقد عبر جلالة الملك عبدالله الثاني في عدة مناسبات سابقة عن مواقف أردنية ناقدة للسياسات الإسرائيلية كما ساهمت الدبلوماسية الأردنية في تقوية الموقف التفاوضي الفلسطيني وتعمل أيضا على تسهيل جهود تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، كما ظهرت في الأيام الأخيرة بوادر مشجعة على استعادة نوع من التنسيق والتواصل السياسي مع حركة حماس سواء مباشرة أو عن طريق حزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن.

احد المظاهر الرئيسية لهذا التباين الشديد في المواقف الأردنية- الإسرائيلية تمثلت في حملة إعلامية إسرائيلية ضد الأردن في الأيام الماضية تستهدف نشر شائعات وتحليلات حول عدم استقرار الوضع السياسي في الأردن، وهي وسيلة ضغط معروفة وسبق أن جربتها إسرائيل في عدة حالات سابقة.

الحراك الشعبي في الأردن ناضج جدا ويحظى بقدر عالٍ من المسؤولية تجاه استقرار البلاد والعباد، ولا توجد أية نوايا معلنة أو مبيتة لإحداث خلل في استقرار الدولة، والمطالبات التي تنتشر في المسيرات الشعبية تستهدف تحسين أسلوب الإدارة العامة وحل الكثير من القضايا العالقة في السياسة والاقتصاد والسعي إلى المزيد من المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار أسوة بكافة الدول الديمقراطية.

هذه مطالب حقة، قابلتها الدولة الأردنية بتفهم كامل وتقديم مثال مهم في إحداث تحول ديمقراطي جذري وبطريقة دستورية مع الحرص على تجنب اي صدام مع الرأي العام ومع النشطاء السياسيين وهذا ما يظهر من خلال نمط التعامل الأمني “الناعم” مع تنامي الاحتجاجات الشعبية والذي وصل أحيانا إلى انتقادات للتساهل في تطبيق القانون في بعض حالات الخروج عن النص وإن كان لا ينكر أحد وجود أخطاء معدودة في التعامل الأمني مع بعض النشاطات الجماهيرية والتي أدت إلى صدامات محدودة مع متظاهرين وإعلاميين.

استقرار النظام السياسي في الأردن ليس رهنا بتغير ظروف خارجية بقدر ما هو نتيجة للثقة بين المجتمع والدولة والتي تراكمت تاريخيا ولا زالت قادرة على تجاوز الأزمات السياسية والاقتصادية ففي نهاية الأمر تميزت كافة النشاطات السياسية في الأردن بالالتزام بسقف حماية النظام عن طريق تطوير أدوات الإدارة والتي تقوي وترسخ من الثقة بين الدولة والمجتمع، وهي كلها توجهات يؤمن بها الملك عبدالله الثاني ويؤكد عليها في كافة تصريحاته وتوجهاته السياسية.

وإذا كان هنالك تباين طبيعي بين القوى السياسية على تفاصيل التوجهات الإصلاحية فهذا شأن يعالج بقنوات الحوار السياسي المفتوحة والتي لم تغلق في مرحلة ما وهي قادرة على خلق الحلول التي يتفق عليها الجميع.

لن تتمكن الصحف الإسرائيلية من خلق مشاكل وفتن في الأردن ولن تجد إلا الرفض التام من كافة قوى المجتمع الأردني لأية تدخلات ومحاولات ترويج أجندات مشبوهة تتلاءم مع المصالح الإسترتيجية الإسرائيلية.

نحن دولة ناضجة وقيادة خبيرة ومجتمع واعٍ يدرك مصالحه تماما ولا توجد ثغرات تسمح بإحداث تغيير في هذه المعادلة يحقق الأهداف الإسرائيلية في فرض حالة تتناقض مع الالتزامات السياسية الإسرائيلية نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة وإعادة الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني أو في زرع بذور الشك في مسيرة التنسيق الأردني- الفلسطيني المتميزة بالثقة ووحدة الهدف الإستراتيجي.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور