يمنحنا الثلج والضباب فرصة عظيمة للعودة إلى الذات، والاستماع إلى أنفسنا. 
في الطريق الطويلة من عجلون إلى عمان قبيل منتصف الليل (بالتوقيت الصيفي!)، والضباب يغشى المكان، تشعر أنك وحيد وتائه في الكون. ولكن بعد دقائق قليلة، إذا تجاوزت الشعور بالوحدة، وغضيت الطرف عن انتهاك الإشارات، والسيارات الحكومية التي تصول وتجول على نحو لافت، والحفر والحجارة والأتربة والبحيرات التي تملأ الطريق (لم يكن الوضع سيئا جدا)، فإن الضباب والظلام يمنحانك شعورا بأنك نجم يدور في الفضاء! لا يهبط الضباب على الأرض إلا ومعه الكون، وكل ما ومن رحل إلى الضباب.. كأنك تلاقي في الضباب محفوظة وباقية الحياة في نصابها الأول. حتى الجغرافيا يكون لها معنى آخر، كأن الضباب ينزع التاريخ والزمن من المكان. 
تتزين عمان بالثلج.. أنا وعمان نصلي في هذه اللحظة صلاة أخرى يحبها الله ونسيها الناس.
عندما يهبط الضباب على الأرض، لا يكون غيمة يأتي محملا بالذين رحلوا إليه.. ومثقلا بالأفكار والأحلام التي صعدت لأنه لم يكن لها مجال على الأرض، ليس لأن الأرض لا تحبها أو لا تتحملها.. وعندما يأتي الثلج يجيء أيضا النسيان.. النسيان المستحيل، والنسيان الذي شكلنا الذي هو نحن.. عندما لا يجد الثلجُ الأرض كما يجب أن تكون حين يحل عليها، يمضي فيها ويرحل عنها كما تمشي الملائكة في الأرض ولا نراهم ولا نحدثهم.
في هذه التلال قصة للضباب والثلج لا تعود إلا عندما يظن الناس أنهم لا يملكون سوى أحلامهم. عندما شعر العيس/ص بالغضب والأسف من أخيه يعقوب، رحل في الجبال بعيدا؛ كان صيادا، وأمعن في البعد عن الناس.. والكون أيضا، وصار "أدومى/آدم" وجد الطريق.. في العودة إلى الذات والضباب والأحلام، فكانت اللغة والكتابة، والنبيذ والملح والزيت، والتجارة والزراعة والبيوت... والطريق، المورد الذي تجده في الضباب والفضاء.. وفي نفسك! 
عندما يأتي الضباب ولا يرى الطريق حولها الناس والمدن وحياتهم، يعود خائبا، كما يأتي بابا نويل بهداياه ولا يجد أحدا. وعندما يهبط الثلج ولا يجد العنب والزيتون والمعاصر والحقول والشعر والقصص والروايات والموسيقى، يمضي "حزينا أسفا". عمان تنادي الضباب والثلج فلا يسمعانها..الضباب والثلج يهمسان لـ عمان فلا تسمعهما.
بالمناسبة، هناك بلدتان؛ واحدة في جرش تطل على نهر الزرقاء/ يبوق، وأخرى في الطفيلة اسمهما العيص/س.
والعيس هو أيضا أدومى الذي ينتسب إليه الأدوميون، وهناك سلسلة من الأنبياء والفلاسفة والحكماء ينتسبون إلى أدومى/ آدم (ليس آدم الأول).. نحن ما ننسى!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد