ليس كثيرا ولا مكلفا أن تتشكل مبادرة لتوطين العمالة والحرف، وظيفتها إنشاء البيئة المشجعة للإقبال على العمل في الزراعة والبناء والحرف والمطاعم والمحلات التجارية، ويمكن أن يرعاها صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، وتدار بمشاركة حكومية مجتمعية شركاتية، وتعمل تنظيميا وتشريعيا واجتماعيا على إزالة كل أسباب العزوف عن العمل، وتشجيع إقبال الشباب واجتذابهم.
يمكن تقدير أهم أسباب العزوف عن العمل في مجموعة من المنظومات المحيطة بالعمل والمجتمع. أولها، مؤسسية وقانونية ولوجستية، والمعاملة السيئة لأصحاب العمل، وعدم الالتزام بقانون العمل وهو ابتداء غير كاف لتشجيع المواطنين، والأجور المتدنية، وغياب الأمان الوظيفي والضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، ونفقات الطعام والمواصلات.. وهي مشكلات يمكن مواجهتها من خلال منظومة عمل في التنظيم الحرفي والنقابي والمؤسسي (وزارة العمل)، تقوم بالاتصال والمتابعة والاطلاع الواضح على ظروف العمل في السوق والمؤسسات، من خلال مرشدين ومنسقين اجتماعيين ومهنيين. ويمكن أن تنشئ هذه المنظومة، خلال فترة يجب أن تكون وجيزة، قاعدة معلومات وبيانات ومعارف شاملة ودقيقة لمسح ظروف العمل ومشكلاته، ومتابعة الحلول، وتقديم الاقتراحات العملية، ستبدأ بالطبع بالمتطلبات الأساسية الواضحة: عقود العمل والإضافي، والضمان الاجتماعي، والتأمين الصحي، والإجازات، وإجراءات السلامة؛ ثم تطور معلوماتها ومتابعتها إلى مستويات أخرى، مثل الرضا، والتطور المهني والتدريب.
ويمكن للمبادرة أن تنظم عملا مؤسسيا تشارك في تمويله الحكومة والمجتمع والشركات، لتأمين النقل ووجبة طعام واستراحة قصيرة في أثناء العمل. وقد يتطور التنسيق والاتصال مع الأمكنة والبلدات والأحياء المحيطة بالعمل، لتوفير الأيدي العاملة والطعام والشراب. وبذلك، يمكن أن تكون الورش والأعمال والمحلات التجارية مصدرا لإنعاش منظومة عمل غير رسمية، ولكنها تعود بالدخل الإضافي على أهل الحي. وإذا كانت الأولوية في التشغيل لأهل الحي والمناطق المحيطة، فهذا يجعل العمل أقل كلفة؛ بدون نفقات وأعباء إضافية على المؤسسة. ويمكن أن يتطور هذا التواصل إلى شبكة اجتماعية وثقافية ومهنية، تجعل المؤسسات والورش والأعمال في قلب المجتمع والثقافة.
ويكون المستوى التالي في بيئة العمل قائما على التنظيم الاجتماعي والمهني والثقافي للعاملين والحرفيين، لأجل استيعابهم ودمجهم في منظومة اجتماعية ثقافية موازية للعمل ومصاحبة له، تهيئ المجال والفرص لهم للمشاركة في برامج وأنشطة اجتماعية ورياضية وثقافية وفنية، يمكن أن تتطور إلى أندية وعمل مؤسسي ومنظم، يجد الشباب من خلاله فرصا للانتماء والمشاركة والرضا، وتعدد الخيارات والمسارات في الحياة.
والمستوى الثالث في المبادرة يقوم على منظومة مهنية اقتصادية، توفر فرص التشكل النقابي والمبادرات والتدريب والتطور المهني، ومواصلة التعليم الأكاديمي، والمشاركة في تعاونيات وصناديق للادخار والإسكان والاستثمار، تؤول بالشباب وأسرهم، بعد فترة من الزمن، إلى تشكيلات اقتصادية واجتماعية أكثر تطورا وتعقيدا، وتنشئ فرصا وآمالا للشاب المبتدئ في عمله لأن يكون قادرا، بعد سنوات، على امتلاك مشروعه الخاص وبيته الخاص، وأن يكون مشاركا مشاركة إيجابية في الاقتصاد والمجتمع.
لقد بدأ رئيس البرازيل السابق لولا دا سيلفا، حياته عاملا، وطور نفسه حرفيا، واستطاع من خلال التنظيم النقابي للعمل أن يكون قائدا سياسيا، ليغير من ثم مسار البرازيل، ويبدو أنه يغير العالم!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد