يعود العنف من جديد، بعدما كاد الظن يغلب أنه ينزوي إلى الدول الهشة، ويتسلل إلى النزاعات الأهلية، ويبني قواعد اجتماعية قائمة على قضايا وصراعات قبلية وإثنية أكثر مما هي تطرف ديني.
لماذا يواجه الإسلاميون الاحتجاجات الشعبية والنفور العالمي والفشل الاقتصادي والسياسي، بمزيد من التطرف؟ هل يخفى على حركة حماس في غزة أن ما تقوم به من سياسات وقرارات متطرفة، تضيّق على الناس حرياتهم وتزيد ظروفهم السيئة، وأنها بذلك تساعد إسرائيل، وتستعدي العالم وكل الدول والقوى السياسية، وتحرج أصدقاء ومؤيدي القضية الفلسطينية؟ لماذا تعلن جبهة النصرة التي تقاتل النظام في سورية، في هذه الظروف، ولاءها لأيمن الظواهري زعيم "القاعدة"، وتضع نفسها في مواجهة العالم، في وقت يفترض فيه أنها بحاجة إلى التأييد العالمي، وأن تجتذب التضامن في مواجهتها مع النظام؟ أليس متوقعا في ظرف مثل ظرف المعارضة السورية أنها تسعى إلى اكتساب الأصدقاء والمؤيدين، وتقليل الأعداء؟
اليوم، يعود العنف والتطرف ليفرضا نفسيهما على العالم من جديد. وربما تدفع شعوب ودول المنطقة مزيدا من التضحيات، وتقدم فداء جديدا إضافيا لطرد الأرواح الشريرة! بماذا يعتقد منفذو التفجيرات في بوسطن ومطلقو الصواريخ على إيلات (إن كانوا من الجماعات الإسلامية) أنهم يخدمون القضايا الإسلامية؟
أقرر سلفا بأني عاجز عن الإجابة عن هذه الأسئلة أو تفسير ظاهرة مواجهة العالم والخصوم والمنافسين، بل والمؤيدين والمحايدين، بمزيد من التشدد والتنفير! ولا أفهم هذا الحرص على اجتذاب النفور والعداء! ربما يكون التشدد يجلب مصالح صغيرة وضيقة في التنافس بين جماعات الإسلام السياسي على الأنصار والمؤيدين، اعتقاداً منها أن التشدد يزيد المؤيدين من المتدينين؛ وربما يكون التشدد هروباً من الأزمة إلى أزمة، أو تعبيراً عن الإدراك والشعور بأن التأزيم يخدم بقاء هذه الجماعات، فيما الاستقرار يضرها ويذهب بها؛ فهي أقدر على العمل وكسب الأنصار في ظل الأزمات، ولكنها لا تملك القدرة على المحافظة على ثقة الناس في مواجهة متطلبات البناء والتنمية والنهوض الاقتصادي والاجتماعي.
يكاد المحلل يغامر بالقول إنها جماعات مخترقة، يسهل استدراجها وتسخيرها لأهداف وأغراض تختلف عن أهدافها المفترضة؛ وأن هذه الجماعات بطبيعتها الغامضة والباطنية، وبنيتها السرية وهرميتها المفرطة، قابلة لأن تعمل ضد نفسها. ومن المؤكد أن النظام في سورية تلقى هدية كبرى بإعلان جبهة النصرة أنها جزء من "القاعدة"، وأنها تبايع أيمن الظواهري قائداً لها؛ ومن المؤكد أن المعارضة السورية تواجه إحراجا وطعنة نجلاء من الخلف، ولا يبدو ثمة مكسب محتمل أو وارد للثورة السورية وحتى لجبهة النصرة نفسها من هذه الخطوة المفاجئة!
ربما تكون المسألة سيكولوجية، متصلة بما ينشئه التشدد من غرابة في السلوك والفكر والأطوار، وأنه يمضي بأصحابه وبالناس إلى حالة من غياب الوعي والإدراك والانفصال عن الواقع. ولكن، كيف نفسر قدرة هذه الجماعات على البقاء واكتساب المؤيدين والأنصار، والحصول على المال والسلاح؟ وهل وقعت الجماهير والمجتمعات والقضايا العربية والإسلامية في فخ محكم؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد