كنت أدرك دائمًا أن المتاعب ستبدأ في اليوم الذي ستقول لي ابنتي أن الآباء لا يستطيعون أن يفهموا كيف يفكر أبناء هذا الجيل. ولكنني لم أتوقع بأن هذا الحدث الجلل سيقع عندما تكون ابنتي في سن العاشرة فقط. وعندها تذكرت مقولة السيد جان جاك روسو، أحد أهم الفلاسفة الذين مهّدوا للثورة الفرنسية والذي قال “قبل أن أتزوج كانت لدي ست نظريات حول تربية الأطفال والآن يوجد لدي ست أطفال بدون أيّة نظريات”.

عندما بدأت سوزان بالاعتراض على الكثير من الأفكار والآراء التي أطرحها أنا ووالدتها كانت تكرر دائمًا مقولة “أن جيلنا نحن الأطفال مختلف عنكم ولدينا أفكارنا الخاصة والتي لا تعرفونها ولا تفهمونها”، وبالرغم من أنني حاولت دائمًا مقاومة الرغبة العارمة في أن أعبر لها بصراحة تامة عن رأيي في جيلها العظيم، فإن حقيقة أن هذا التباين قد بدأ في سن مبكرة نسبيًا تؤكد بأن الفجوة في فهم طبيعة الحياة ما بين الأجيال قد تسارعت في زمن أصبحت فيه وسائل الاتصال والتواصل والعلاقات المدرسية أشد تأثيراً مما كانت عليه سابقًا.

علينا أن نحاول الانفتاح تجاه هذه الأمور لتحقيق ما نؤمن به من قيم الديمقراطية وهكذا يقول الدكتور فيل أيضًا، ولكن مساحات المرونة تقل تدريجيًا لأن هنالك حد أدنى من القيم والمبادئ الاجتماعية التي يجب أن تبقى موجودة وبصرامة، لأنها ليست فقط الأفكار التي نؤمن بها نحن كآباء ولكنّها الأدوات الضرورية من أجل الصمود والنجاح في مجتمع يزداد تعقيدًا. من المهم إذًا أن نعمل على التقليل من الفجوة التي تفصل بين الآباء والأبناء في هذا الجيل ربما عن طريق فهم طريقة تفكيرهم وإعطائهم المساحة الكافية من حرية التفكير المطلوبة لتنمية شخصياتهم المستقلة، ولكن السؤال الأصعب في هذا السياق هو عن الحد الفاصل ما بين المثالية والواقعية في التربية، بمعنى تحديد متى وكيف سنخبر الأطفال بأن العالم ليس مكانًا مثاليًا للأحلام وأن نتوقف عن حمايتهم من صدمات الواقع ونخبرهم بها قبل أن يتعرفوا عليها من مصادر أخرى.

مهما كان الآباء مخلصين في جهودهم لتحقيق ما هو أفضل لأبنائهم فهم ببساطة لا يستطيعون تشكيلهم كما يريدون، ولكن ذلك لا يعني أبدًا التخلي عن حتمية زرع القيم والمبادئ الإيجابية لدى الأطفال وإبقاء كل أبواب الحوار مفتوحة لتقديم النصيحة حول كيفية التعامل مع الحالات العديدة للتناقض ما بين الواقع السلبي وما بين القيم الإيجابية.

لحسن حظ جان جاك روسو أنه لم يعش ليشهد الإنترنت وهجوم وسائط الإعلام الحديثة على القيم العائلية إذ كان سيجد الوضع أكثر صعوبة أمامه وربما أثر ذلك على مستقبل الثورة الفرنسية. ولكن من الواضح أن الآباء في هذا الجيل يواجهون تحديات صعبة في عملية ضبط تدفق المعلومات والصور والمؤثرات الإعلامية والاجتماعية تجاه أبنائهم، لذلك تكون عملية اتخاذ القرار الصحيح في التركيز على القيم بدون الإفراط في الحماية أو الانفلات واحدة من أصعب المهام على الآباء وهي عملية تتميز بالتعلم اليومي وويل لمن يعتقد أنه يمتلك الإجابات المسبقة والقناعات المطلقة إذ لا يمكن السماح بمثل هذا الغرور في اتخاذ القرارات المتعلقة بقيم وقناعات الأبناء.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور