يغادر صغارنا طفولتهم صبيحة العيد، ليتحولوا إلى نساء ورجال أعمال يتميزون بعقليات تجارية لا يستهان بمدى حرفيتها وقدرتها على المساومة والجدل والتمسك بالمكتسبات، بما يبشر بجيل حذق يبالغ في تقدير قيمة القرش، جيل يتلقن دروسا أساسية ومبكرة في كيفية السعي لتحصيل المزيد من القروش، باعتبارها ليست الوسيلة فحسب، بل الهدف الأكثر جاذبية في الحياة الدنيا،استنادا إلى ثقافة جمعية خطيرة كرست مبدأ "معك قرش بتسوى قرش".
ينشط هؤلاء الأحبة في بورصة العيد لتحقيق أكبر نسبة أرباح ممكنة ما يؤدي إلى استنزاف جيوب الأهل، وهم في نفس الوقت يلجأون إلى كافة السبل مهما بلغت شراستها للحيلولة دون استيلاء الأهل الطامعين على تلك الأرباح، تحت ذريعة أنهم يسددون بالمقابل عيديات أولاد الأقارب ما يجعلهم يتوهمون أنهم شركاء لأولادهم، لهم حقوق في العيدية بحكم منطق الأشياء.
ولا يتساهل الصغار في شأن حماية عيدياتهم، حيث يستنكرون مثل هذه الطروحات اليائسة،  ويقدمون بدورهم كشف حساب بالتضحيات المطلوبة منهم، وفق طقوس العيد المتوارثة لدينا جيلا فجيلا، من حيث حتمية مرافقة الأهل في زيارات ثقيلة لأقارب موسميين، وتلقّي سيل من قبلات حارقة، تخلف في كثير من الأحيان لطخات من أحمر الشفاه على خدودهم الطرية، ويضطرون إلى التجاوب في الأثناء مع إطراءات مبالغ فيها حول أناقتهم وتهذيبهم الرفيع، ويتلقون باستسلام وضجر أسئلة متوقعة عن صفوفهم، والى أي مدى بلغوا من الشطارة في المدرسة.
ويضطر الأطفال في ظل هذه الطقوس إلى إبداء حسن النية مع أقرباء ثقال الظل، ميزتهم الوحيدة أنهم يجزلون العطاء، يلتهمون في هذه الجولات المكوكية ما تيسر من المعمول والشوكولاته، ويستجيبون بتهذيب مفتعل  لتحذيرات الأهل من مغبة توسيخ ثيابهم الجديدة، حيث يتم تذكيرهم بأن الجولة ما زالت في أولها. 
ويظل النزق وقلة الصبر باديا على وجوه الصغار، لحين قدوم اللحظة المنتظرة حينها يتنفسون الصعداء بحصولهم أخيرا على حصتهم من العيد بالعملة الصعبة، وذلك بالمعنى الحرفي للكلمة، وبمعزل تام عن التفسير الأكاديمي المصرفي المعتمد عالميا، بل بحسب القاموس الأردني الراهن الذي يؤكد أن العملة أصبحت صعبة بل وبالغة الصعوبة!!.
صغارنا رجال أعمال من دون بدلات فاخرة، ولكن بثياب لها علاقة بحماقات الموضة الراهنة، إذ يرتدي الصبيان البناطيل الفضفاضة، كثيرة الجيوب والآيلة إلى السقوط، الكاشفة ليس بالصدفة المحضة، ولكن عن سابق إصرار وتصميم، لسراويلهم الداخلية، لأن بروزها أصبح إكسسوارا ضروريا وفق متطلبات الموضة!، فيما تحرص الصغيرات على ارتداء أحدث ماركات الجينز التي يرتفع ثمنها طرديا مع حجم التمزق الظاهر في أوصالها! ويحملن قبيل الشروع في مهام العيد حقائب من شأنها أن تضيف سنوات إلى أعمارهن الفتية. وفي الوقت نفسه يعتبرنها ضرورة لحفظ ما أمكن تحصيله من دافعي العيديات.
وتتلاشى ضمن تقليد العيديات عدا ونقدا، الذي يبدو بريئا وغير خطير، مفاهيم العيد المفترضة من تواصل حقيقي، وتقارب وتكافل وتضامن ورحمة، وبث طاقة الحب والتسامح بين البشر، لتتعزز في وجدان الأجيال القادمة أولى بذور الانتهازية والنفعية من خلال انتهاج النمط الاستهلاكي المادي، الكفيل بالقضاء على كل الأشياء الجميلة.
ومن المؤكد إن تقديم الهدايا البسيطة الملفوفة بورق زاهٍ والمنتقاة بعناية مقاربة لمزاج وشخصية الطفل، هي التعبير الفعلي عن حب حقيقي واكتراث غير مجاملتي، وهي الوسيلة الأكثر إنسانية وحضارية لانتزاع بسمة فرح كامنة في تلك الأرواح الغضة!.
وكل عام والجميع بحال أفضل.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   بسمة النسور