فيما سلف اعتقدنا أن الغيلان كائنات خرافية، ليس لها وجود فعلي سوى في حكايات الجدات وفي مخيلاتنا المتواطئة بشكل خفيّ مع سطوة السرد وألقه.
كان مفهوما أن تقدم الغولة القبيحة ذات الرائحة الكريهة والرؤوس الكثيرة والأذرع العديدة على سد جوعها بالتهام لحم صغار بلا حول ولا قوة، بعد طهيهم في قدر كبيرة تفوح منها رائحة الدم المستباح.
ورغم الرعب الممزوج بمتعة غامضة تحدثها الحكاية، غير ان الحبكة الدرامية كانت تمنحنا طمأنينة ما، تجعلنا في مأمن من أنياب الغولة، لأن نطاق نشاطها الافتراسي كان لا يتعدى الاولاد غير المؤدبين الفاشلين في مدارسهم، غير المطيعين لكلام الامهات، والذين يتقاعسون أحيانا عن اتمام حصتهم من الطعام المسكوب في صحونهم،وفي الغالب اولئك الذين لا تحتوي دفاتر الإملاء على الكثير من النجوم الحمراء.
في الآونة الأخيرة تبين أن الغيلان كائنات حقيقية من لحم ودم ورقم وطني وكشف حساب وجيران يزورونهم في الاعياد وزملاء عمل يتبادلون فيما بينهم المجاملات والخصومات. كما تبن أنهم يتسوقون في جبل الحسين ويتنزهون عند جسر عبدون وينجذبون بشكل يدعو الى الحنق الى حاويات القمامة. هذه الفئة الباغية على فكرة الإنسانية من اساسها والمنتمية زورا وبهتانا الى الجنس الآدمي الذي هو منها براء تمثل نقيضا لكل ما تنطوي عليه البشرية من مبادئ نبيلة.
حين تم الاعلان ان "لقيط" جسر عبدون هو نتاج عمالة وافدة تنفسنا الصعداء، لأن الشرف الرفيع سلم من الأذى، واعتبرنا ان الامر ليس بالخطورة التي تخيلناها، وعندما نجت صغيرة الحاوية من أسنان كابسة القمامة بمعجزة حقيقية، عبرنا عن ارتياح حين تم التعرف على والدي اللقيطة غير الوافدين! وحلت حينها المشكلة "المأساة" وفق صك عشائري وعقد قران إداري، أنقذ الوالدين من مغبة الحبس. وبالمعية صار لطفلة الحاوية، التي كانت مشروع فريسة لجرذ جائع وكابسة نفايات محايدة .. صار لها هوية وأسرة منتزعة مشروعية بقائها بالإكراه.
والامر ذاته تكرر مع لقيطة مستشفى البشير التي ألقيت بقسوة ليس لها مثيل على بلاط حمام بارد، ضحية محتملة لموت مجاني عبثي، فيما توهمت الام – اذا صح التعبير - انها ستنجو بفعلتها، وأنها ستعود الى العائلة شريفة عفيفة من غير سوء، فيما رحمها المخدوش ينزف مهانة! والمثير للعجب حقا ان هؤلاء القتلة الذين يمتلكون عقلية اجرامية مدمرة ويتقنون كيفية التخطيط بقلب منزوع من الرحمة، لا يقومون باتخاذ أسباب الحيطة البسيطة المتداولة للحيلولة دون حدوث حمل يسفح قربانا باطلا لمفاهيم قائمة على الزيف والبطلان والتواطؤ المخجل ضد الحق والحقيقة.
أما الثمرة فوليد جاء الى الدنيا نتيجة لحظة استهتار ليست عابرة، بل مدوية وقاصمة وجارحة الى مدى العمر، ولا ينبغي أن نستغرب ان يغدو هؤلاء الصغار عاثري الحظ  مستقبلا ومشحونين بالغضب والحقد المهيمن على أرواحهم إلى الأبد.
ولأن ذاكرة العار طويلة الامد، فإنهم سيعرفون بالتفصيل ملابسات حضورهم الى هذه الحياة ، وان ذويهم شرعوا في قتلهم ليس خشية إملاق، بل بدافع تفتت إنساني وأخلاقي وفكري أعمى بصائرهم وألغى ملكة الرحمة من قلوبهم في سبيل نجاة غير أكيدة من تبعات خزي كامن في صدر قريب يظن نفسه الوصي على كرامة العائلة.
وسجل المحاكم حافل بحكايات ما يسمى "جرائم شرف" اقترفت بعد عشرات السنين.
وإذ نطرح المشكلة، نعترف أن التطرق الى الأسباب والحلول القانونية والاجتماعية، وبخاصة في الجانب الوقائي منها تستلزم وقفة اكثر تفصيلا، حيث لا يكفي أن نغطي كل ذلك القيح بصك صلح عشائري وزواج إداري لن يؤديا إلا الى تأجيل ضربة الصاعقة إلى حين.
وحتى ذلك الحين، ما أكثر الغيلان التي تسن سكاكين شرها في الليل البهيم انتظارا للوجبة الدموية المقبلة!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   بسمة النسور