متميزا بقدرة لافتة على الارتجال، وموهبة فذة في ابتكار مفارقات ممعنة في الكوميديا البيضاء، ومتسلحا برصيد كبير من اعجاب جماهيري واسع وحضور إذاعي لافت، يتكرس حضور المبدع نديم سراج في البرنامج الإذاعي "نكشة مخ" الرشيق على مستوى الإعداد والتنفيذ، والذي تبثه محطة "مزاج إف ام".
انتشر سراج كما تنتشر الإشاعة، وحصد إعجاب الكثيرين، حيث جسّد شخصية شديدة الطرافة ابتكرها وتقمصها ببراعة واقتدار، مطلقا عليها اسم راجي دوّارة الملقب "ابو طلعت" وهو رجل على باب الله، رغم غناه الفاحش وامتلاكه عددا من الشركات والمشاريع الضخمة، لكنه كثير الغلبة، يمتاز بلهجته الغنية بالمفردات الغريبة العجيبة التي دخلت في قاموس الكثيرين وأصبحت معتمدة شبابيا. كما يمتاز بطروحاته المضحكة حينما يضع ضحاياه ممن وقعوا في شراك مقالبه المحكمة في مواقف صعبة، لطرافة ولشدة غرابة المواقف التي يزجهم بها.
فكرة "نكشة مخ" بسيطة وقائمة على تآمر صديق مقرب للشخص الذي يقع ضحية المقلب. ومن خلال طبيعة اختصاص الضيف "المجني عليه"!، يبني نديم سيناريو المقلب القائم على مفارقة ما، ويتمادى في إحراج الضيف معتمدا على الواسطة موضع الثقة التي تستدرجه الى شرك المقلب. وينجح ابو طلعت دائما في انتزاع ضحكاتنا من القلب، وفي تعديل مزاج نهاراتنا بحيث تصبح اقل وطأة وأكثر مدعاة للحبور.
يعتمد سراج على العفوية والبساطة والالتقاط الذكي للتفاصيل، نائيا بنفسه عن التهريج والابتذال. كما يشتغل بدربة ومهارة مسلطا الضوء بأسلوب شديد السخرية على الكثير من آفات وسلوكيات سلبية يعاني منها المجتمع.
ويحظى "راجي دوّراة" بإعجاب الشباب على وجه الخصوص، لشدة اقترابه من طريقة تفكيرهم، ونجاحه في طرح قضاياهم وتبني خطابهم برؤية مختلفة قادرة على إحداث تغيّر منشود ما.
ورغم النجاح منقطع النظير الذي حققه هذا المبدع، غير أن تحديات كثيرة مطروحة أمامه، سيما وأن أمره "افتضح" على نطاق واسع، بسبب صعود نجوميته، ما يجعل امكانية الايقاع بمزيد من الضحايا في المستقبل أمرا شائكا.
حاول نديم سرّاج التغلب على هذه المشكلة بالتوجه نحو ابنائنا في المهجر والغربة، حيث اعتمد على عدم معرفتهم بالبرنامج، فأوقع بالكثير منهم. غير ان هذه الوسيلة لم تعد كافية ايضا، وصار لزاما عليه ان يفكر في اجتراح شكل مختلف لاستثمار موهبته غير الاعتيادية، كي يتجنب الوقوع في النمطية والتكرار اللذين بتنا نلمسهما في برامج من طراز الكاميرا الخفية التي تضحكنا الى حين، بيد انها لا تعتبر ابداعا قابلا للاستمرار والرسوخ.
ولا شك في أن انتزاع الجماهيرية من خلف مايكروفون الإذاعة إنجاز لا يتحقق للكثيرين، وبخاصة في زمن هيمنة الإعلام المرئي، لذا فإن نديم يعد ظاهرة تستحق كل الدعم الممكن. ويشهد على ذلك الحضور الكثيف الذي شهده مساء أول من أمس حفل توقيعه ألبومه الذي يضم أبرز حلقات البرنامج وأكثرها إضحاكا، حيث ضمت قاعة مكتبة فيرجن ميغا ستار في ستي مول جمهورا مليئا بالفضول للتعرف على شخصية انتزعت بجدارة حيزها القريب من القلوب.
ومن باب الحرص على هذه الطاقة المبشرة، نتمنى على نديم أن يذهب أبعد في مغامرته الفنية الطازجة، إذ لابد من الإشارة إلى خطورة الوقوع في أسر شخصية بعينها، مهما بلغت درجة نجاحها الجماهيري.
ومن أبرز الأمثلة في هذا السياق شخصيات فنية سطعت كنجوم في سماء الوطن العربي لزمن طويل مثل "غوار الطوشة"، و"أبو عنتر"، وكذلك "أبو عواد" وسواها، غير انها وصلت في نهاية الامر الى نقطة مسدودة لفرط ما تم استنفاذها.
من هنا وحرصا على منجز مبدعنا الجميل، نطمح وننتظر منه الانتقال الى حيز أكثر اتساعا، ليس هناك من شك بأنه قادر على الوعد بمزيد من البريق.
وحين نوجه تحية امتنان وإعجاب بما صنعت يداك يا نديم فمبعث ذلك كل تلك الضحكات التي انتزعتها عنوة من القلوب المثقلة والملامح المتجهمة. ومع كل الحب لأبي طلعت الرجل الغلباوي، لكن الطيب والنبيل، نتمنى عليك أن تطلقه في سبيله وهو في عز الألق والحضور، لأن ذلك خير وأبقى وأكثر جمالا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد بسمة النسور