في الوقت الذي يتأهب به العالم للاحتفال بيوم المرأة العالمي، حيث تعد الفعاليات النسائية برامجها وندواتها، ويقدم المتخصصون في الشأن النسوي أطروحاتهم ونظرياتهم في أهمية تمكين المرأة في سبيل الانخراط في الحياة العامة، وتبادر جهات معنية الى تكريم رائدات في العمل التطوعي. في هذا الوقت بالذات، تنهمك المرأة الغزاوية، في نبش انقاض أيامها، بحثا عما يزودها بمبررات العيش، تشعل شموعها احتجاجا على عتمة الحصار، وتسخر جسدها المتعب حلقة ليست مفقودة في سلسلة بشرية طويلة من الاوجاع، امتدت من رفح جنوب غزة - هذه المدينة الجموح - وتجاوزت بيت حانون باتجاه آخر نقطة في الكون، موجهة للعالم بأسره برقية عنفوان وصمود، عزت بلاغتها على أعتى الخطباء.
وازاء قسوة الصورة، وخروجها عن دائرة الممكن والمعقول لفرط وحشيتها، يبدو الاكتراث بأي شأن دنيوي خارج نطاق هذه المعاناة ذات البعد السوريالي، ضربا من الترف غير اللآئق، بل والخادش لفكرة العدالة من أصلها.
الأمر ليس سهلا؛ اقصد، علينا نحن- الذين نحتل مقاعد المتفرجين على ملحمة العذابات هذه، في بيوت لا تنهار سقوفها على رؤوسنا ونحن في عز النوم، ولا يخذلنا التيار الكهربائي السائر بأمان الله يبث الحياة في تفاصيل يومنا، ولا تداهمنا الحنفيات بذلك الفحيح الذي يشي بظمأ قادم رغم صخب البحر المجاور، ولم ينفذ الرغيف الاخير من ثلاجاتنا وسط زعيق صغار جائعين، ولا يعز علينا تدبير دواء لمن تعرض لوعكة مفاجئة او حتى لمن أصيب بوجع اسنان استدعى حبتين من "الباندول" لحين بزوغ فجر، يتيح الوصول الى عيادة طبيب غير مقفرة.
ولا يعترينا في العادة سوى قلق طفيف لتأخر الاولاد في السهرة برفقة الاصدقاء لأنهم سوف يعودون على اقدامهم في نهاية الامر، وسوف يتعرضون في الحد الأقصى، تماما مثلما يتوقعون، إلى قليل من التقريع الأبوي الذي لن يخلو من حنو ولهفة، فثمة اطمئنان بديهي ان أحدا لن يطرق بابنا في عتمة ليل غزاوي ليطل علينا بوجه متجهم، ويخبرنا بعبارات رصينة ان علينا إطلاق الزغاريد!
وبالرغم من عدم تعرضنا لكل ما سلف، غير اننا لم نلتزم بعبارة تقليدية تعتمدها السينما، حين تحذر ذوي القلوب الضعيفة من مغبة مشاهدة افلام تتضمن بعض المشاهد المرعبة, اما في الحكاية الغزاوية فإن المشاهد كلها قائمة على الرعب، ولأن قلوبنا لا تخلو من وهن، فأننا نعاني من القهر والاحباط، لحقيقة عجزنا عن اي فعل يحد ولو قليلا من منسوب الهول الذي يقترف بمباركة كونية عظمى ضد شعب يسعى الى ممارسة حقه في الحياة. نطيل الجلوس امام الشاشة على امل تدخل مخرج عبقري يجترح معجزة ما.
وإذ ندرك ان الفلسطيني يصنع معجزته الخاصة، ويلقن العالم الدرس الأقسى في كيفية انتزاع الحرية، باعتبارها القيمة الاسمى في الوجود، نحتفل رغم الجراح، بالصورة المشرقة للمرأة الغزاوية، كنموذج إنساني، بلغ درجة الاحتراف في التحمل والمواجهة والصبر، والتشبث بالحلم المشروع بحياة أقل انكسارا، وفي تلك القدرة الاستثنائية على التدبير، وعلى الحيلولة دون نفاذ الرغيف الاخير، ومن اجل حزن عينيها اللتان انهكهما الحصار والغياب، ومن اجل صلابة روحها العصية على اليأس وتوقها للانعتاق نحو صباحات اقل دموية، لابد من توجيه تحية محبة وتضامن من باب ان هذا أضعف الايمان!
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   تصنيف :بسمة النسور