نعم كان لدينا مليون ملاحظة عليه، لطالما راقبنا بوجل تدهوره نحو الخراب سنة اثر أخرى، كما سجلنا مرارا تحفظات على الهدر والتخبط الإداري والتنظيمي والإهمال الرسمي والشعبي الفادح. نعم كان بحاجة لجبهة إنقاذ وطنية تنشله من مصير غير مشرق. بيد أنه رغم كل ما سلف، يظل جرشنا الذي نحب، لذا كان الأمل بعلاجات كثيرة ليس اولها او حتى آخرها الكيّ، لأن العلاج الذي اهتدت إليه الحكومة كوى قلوبا كثيرة حزنا وأسى. كنا نطمح إلى حلول أقل دراماتيكية، وأشد وفاءً للزمان والمكان والذاكرة، وأكثر تمسكا بمنجز لو تم احتضانه كما ينبغي وفقا لمنطق الأشياء لطاول التاريخ والجغرافيا معا.
كنا نحلم بسيناريو مختلف تماما، يعيد للمهرجان ألقه الذي كان منذ ربع قرن من الزمان، حين انبثق فتيا عفيا رشيقا واعدا بفتح كل النوافذ على اتساعها باتجاه الجمال والحرية والانعتاق من أسر العادي والمكرس، محتضنا ومبشرا بمنجز إبداعي حافل بكل ألوان الطيف.
المطلوب منا إذن تحييد الذاكرة الحبلى،والكف عن خطيئة الحنين إلى جرشنا الذي كان، حيث خطواتنا غير المتمكنة جراء تعرجات الأرض في شارع الأعمدة، نتمشى على وقع أنغام القرَب تعزفها موسيقات الجيش العربي، فتدب الحماسة وتصبح الخطوات أكثر ثباتا، وأبناء جرش المدينة والقرى المحيطة يرقبون بانفعال ليس له مثيل، العالم برمّته يحل ضيفا على مدينتهم في أيام معدودات تختصر عاما بأكمله من الانتظار، وصبايا وشبان جامعة اليرموك الذين أصبحوا على مشارف "الختيرة"، وماتزال ذاكرتهم تختزن تلك الأيام البهية حين كانوا ينظمون الفعاليات العديدة ويكترثون بكل التفاصيل الصغيرة مقدمين الصورة الأبهى لشعب جُبِل على ثقافة الكرم والجود والاحتفاء بالغريب الذي يكف عن غربته على الفور، مغمورا بالألفة والقبول.
جرشنا الذي أشرقت فيه فيروز ذات عام بكل هيبتها وعنفوانها، بعينيها التي لم ترنُ إلا حيث الأعلى، بمحاذاة رفيقاتها في السماء نجمات متناثرات في ليل جرش الذي كان دافئا يشرب قطرات صوتها الشبيه بالندى مخزنا إياه في نبض الأعمدة إلى الأبد، جرشنا الذي حنّ محمود درويش بين أعمدة مسرحه الشمالي قبل سنوات خلت إلى خبز أمه وقهوتها، فيما خمسة آلاف متفرج ويزيد يشهد وعلى الهواء مباشرة دهشة اقتران الشعر في أوج صباه بالماضي المعتق بين الأدراج الحجرية المنحوتة من الصخر الذي "نبت العشب بين مفاصلها ولم يزل".
جرشنا الذي رددت جنباته أصداء صوت الجماهير عاليا متدفقا متحدا بنبرة أمل ليست واهمة "هيلا هيلا" وراء مارسيل خليفة محتضنا عوده بحنو واستغراق قبل أن يكتسح البياض لحيته ويطعن في الجمال، منشدا للبحرية مطالبا إياها أن تشد الهمة، حيث البحر ومراكبه تنادي البحارة صوب الحرية.
ومن النقطة المضيئة ذاتها تراقصت ماجدة الرومي بشقاوة طفولية مختالة كسندريلا تلاحق الفراشات بثوبها الأسود، منتزعة انبهار الجمهور الذي غنى معها بكل الاندفاع الممكن "وانا كل ما قول التوبة يا بوي"، كبرت ماجدة الرومي، لربما أوشكت أن تصبح جدة الآن، غير أن وقع خطواتها على الخشبة الجرشية ما برحت تدق الأرض احتجاجا هذه المرة. كما أعادت جوليا بطرس ذات صيف ملتهب على غير صعيد، سؤالها الأزلي حول الملايين التي كفت عن الغضب الساطع منذ زمن طويل.
المؤلم حقا هذا الصمت الرهيب الذي لاذت به النخب الثقافية وهذا الحياد الذي استقبل به قرار إلغاء مهرجان جرش، فلم يحرك احد، إلا في حدود خجولة، ساكنا ولم تصدر نقابة أو رابطة، حتى لحظة كتابة هذه السطور، بيانا احتجاجيا ولو من قبيل ذر الرماد باستثناء بضعة مقالات بالخصوص لعل أهمها مقال الزميل جميل النمري مطلع الأسبوع الفائت. وعلى ما يبدو أن نواب الأمة اعتبروا الأمر شأنا حكوميا خاصا، فلم نسمع بأي تحرك نيابي من شأنه حماية إرث امتد وشرّش في عمق الوجدان الشعبي ردحا من الزمن.
وللتذكير تم الاحتفال قبل عامين فقط بيوبيل جرش الفضي وصدرت تصريحات حكومية استخدمتها الصحافة كعناوين كبرى آنذاك أن جرش يسترد عافيته ويواصل الدرب!! ما الذي حدث إذا؟ وما الحكمة وراء قرار الإلغاء وإحلال "الأردن" مكان"جرش"، رغم أن جرش في الواقع هو ابن الأردن البكر. القرار اتخذ من دون الاستئناس برأي الاردنيين على اختلاف مشاربهم، ولو تم أخذ رأيهم فإن الأغلبية سوف تتمسك بجرش عنوانا لحالة حضارية ثقافية جمالية تكرست واستحقت مشروعية الديمومة.
ليس من المفهوم المضي نحو هدم هذه الحالة من أساسها، بل الأجدى تخليصها من كل أسباب الترهل والنأي بها عن ابتذال مطربي ومطربات الكباريهات الذين اعملوا فيها تشويها. ولا بد من البناء عليها بما يدفعها إلى النهوض ثانية، حاملة شعلتها المتقدة توقا إلى غد اقل وطأة،"وليستمر الفرح"!
المراجع
جردية الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد تصنيف :بسمة النسور