" إلى زهير ابو شايب
استكمالا لحوار بدأ على شرفة رابطة الكتاب"
 عندما نمتلك فضيلة الشجاعة والصدق الخالص لوجه الحق والحقيقة، سوف نصل حتما إلى مرحلة الاعتراف أمام أنفسنا على الأقل، بأن الواحد منا ليس"طرازان"، ذلك الفتى نصف العاري بصرخته الشهيرة،  الذي لطشت هوليود ملامحه المستوحشة المتوحدة المنتمية إلى الغابات والبراري، من "حي بن يقظان" رضيع الغزالة وربيبها غير العاق، ذلك بعد أن عزت الام البيولوجية كما يحدث دوما بمقتضى الضرورة الفنية لولادة الشخصيات التراجيدية الأسطورية المنذورة للخذلان في صراعها الوجودي القائم على فكرة التوحد.
 طرازان ربيب القردة بدوره ذو البأس والمنعة والقوة والجبروت والقدرة على التصدي لكل الصعوبات والمشاق منفردا، وهو البطل المنحاز كذلك إلى قرار المضي في خيار العزلة والاستغناء بالمطلق عن الناس والنأي عن الجماعة الإنسانية باعتبارها مصدر الشرور كلها.
 إذا اعترفنا بأننا بشر ننتمي للأصل الطيني ذاته، بهشاشته وبأحزانه وانكساراته وخساراته المتتالية، فإننا سوف نقر حكما باستحالة اتخاذنا قرارا طرزانيا أو يقظانيا مشابها!، كون خيار كهذا، مناقضا لفطرتنا المجبولة على حتمية التعاطي والتفاعل والانفعال مع المجموع، ولسوف  نعترف مرغمين بأننا لا نريد أن نظل جزرا معزولة إلى الأبد، بل نسلم بحقيقة حاجتنا إلى الآخرين دائما، هكذا بدون محاولات تماسك غير مجدية أو ادعاء وكبرياء ليست زائفة غير أنها فائضة عن حاجة البوح.
نتوقع منهم في لحظات معتمة ان يسندوا أرواحنا حين يعتريها الإنهاك  وان يصدوا الحزن والوحشة عندما تتسلل إلى أرواحنا في لحظات مفصلية، تجعلنا في حاجة قصوى إلى كتف نميل عليها، محاولين التخفف من وعثاء لحظة مثخنة، نحتاج تلك الكتف دائما لالتقاط الأنفاس في مسيرتنا عبر الحياة.
 
تتجلى هنا القيمة الكبرى للصداقة كعلاقة إنسانية أساسية قائمة على الاختيار الحر المنزه عن الهوى بكافة طبقاته!، المنفلت من اعتبارات تبدو منطقية تحكم علاقاتنا في كثير من الأحيان، كالزمالة والجوار والقرابة التي تصبح ثقيلة فيما بعد انطلاقها نابعة من ضرورة القيام بالواجب ذي الصبغة الإلزامية ما يجعلها عبأ ثقيلا فيما بعد.
 نحن نذهب إلى الصداقة بشكل غامض ولكن بوعي كامل، احرارا مختارين أصدقاءنا أشقاء للروح، تولد الصداقة هكذا بدون أية شروط مسبقة، ولا يؤكد انبثاقها سوى مبدأ "الأرواح المجندة التي ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف"، من هنا نعول على الصداقة أكثر من أي علاقة إنسانية أخرى، ولا نتردد في استثمار أرواحنا في علاقات كهذه دون أن نشعر بأنها باهظة أو ضاغطة أو ترتب استحقاقات من أي نوع  ، نحرص عليها ونصر على ديمومتها لأنها مرآة شديدة الصدق لذواتنا، وكيفية تعاطيها مع نوائب وأفراح الزمن بالتناوب، وبقدر ما تبيح لنا حيزا حيويا للبوح والتعبير عن الذات مهما بلغت درجة اسودادها، تظل سندا نفسيا شديد الأهمية نتكئ عليه كلما اقتضت الحاجة دون ادنى حرج.
وبقدر ما نضخ فيها من أسباب الحياة فإنها تظل عفية نابضة بالوفاء، وكي نصل إلى مرحلة متقدمة كهذه ينبغي أن نكون جديرين بها لا نتعاطى معها كتحصيل حاصل والا ننسى أنها قائمة على مبدأ العطاء بالمثل، فإذا انتاب احدا ارتياب بأن هذه العلاقة تستنزف طاقته بلا جدوى  ، يكون الخلل قد وقع، ويتطلب رأب الصدع في العادة، تضافر إرادتين قابلتين لتجاوز الخدوشات وقد لايتبقى أمامنا إذا عجزنا عن ذلك سوى  اللجوء إلى الموت غير الرحيم والحالة هذه!
  تعرض مفهوم الصداقة للاستباحة والمجانية والتعاطي معه من دون كثير تأمل، فبمجرد أن نعرف شخصا على مستوى واحد حتى نستسهل منحة رتبة صديق، فالأصل أن حدوث الصداقة أكثر صعوبة وتركيبا،  ولا بد من التعرض للكثير من الامتحانات والمواقف كي تثبت قابليتها للصمود، ولعل أكثر الصداقات رسوخا تلك التي تبدأ في مرحلة الطفولة ، إذ تظل تلك الصداقات قابلة للتصديق محتفظة بنقاء سريرتها مهما طال الزمن، ما يمنحنا الإحساس بشيء من الأمان لإدراكنا أننا لسنا وحدنا بالمطلق، وان ثمة من يكترث ويحرص ويحمي.
ونظل كمجموع ننظر بعين الإعجاب لمن امتلك منا دفة التوازن محتفظا بدفء صداقاته وحميميتها، ويقيم أداءنا بالحياة في العادة بمدى ما نمتلكه من رصيد في بنك الصداقة مفترضين بكل نوايانا الحسنة انه محصن  على الدوام ضد اشهار الافلاس.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   تصنيف :بسمة النسور