ببراعة فائقة، قدم الممثل الفذ روبرت دنيرو من خلال الفيلم الشهير الصحوات، أهم أدواره على الإطلاق، حيث أبدع في تجسيد شخصية "رونالد المريض" الذي سقط في براثن الغيبوبة لما يزيد على الثلاثين عاما، بمعنى أنه غاب عن الحياة وهو طفل في العاشرة من العمر، ليصحو رجلا في منتصف العمر، مسكونا بهاجس الاكتشاف.
كانت أمه، وعلى مدى سنوات الغياب والاتكاء على أجهزة التنفس والتغذية، مواظبة على القراءة له غير مكترثة بالآراء الطبية التي تؤكد عدم استفادته من تلك الوجبات المعرفية التي أصرت الأم المتفانية على مدها للجسد المسجى بلا حراك.
استيقظ رونالد رجلا على قدر كبير من المعرفة متميزا بنزعة فلسفية تأملية، متمتعا بشخصية محبوبة ذات حضور مؤثر بالمحيطين من مرضى وأطباء وزوار، ذلك انه لم يبارح المستشفى حتى بعد صحوته إذ أصرت إدارة المستشفى على إبقائه قيد المراقبة الحثيثة، وإذا تمكنا من تجاوز الأداء العبقري لدنيرو في تقديم هذه الشخصية المركبة غير العادية، يصبح بالإمكان تأمل البعد الجمالي لفكرة الانتباه للتفاصيل الصغيرة التي تعطي الحياة بعدا أكثر رحابة.
رونالد، الذي فقد الكثير من السنوات، يحس بالغبن الذي لحق به، غير أن إحساسه ذلك يعمق رغبته في تعويض ما فات من سنين واستدراكها، فينشغل في تذوق الجمال والتأثير في حيوات من حوله، حين يبشر بأهمية الحب والحرية، كقيم أساسية.
نجح رونالد في إحداث تغييرات جذرية في شخصية الطبيب المغامر الذي يلعب دوره باقتدار كبير الممثل "روبن ويليامز"، حيث نرقب التحول التدريجي في شخصية هذا الطبيب المثابر من موسوعة علمية تمشي على قدمين إلى شخص بسيط لا ينكر هشاشته وضعفه الإنساني.
طرح رونالد ببساطة وعفوية أفكارا صدمت الآخرين وكشفت لهم الخواء الذي يعتري حيواتهم إذ لفت نظرهم إلى حجم الخسارات التي يتكبدونها حين يقضون أعمارهم في اللهاث وراء مكتسبات إضافية من دون إن يتاح لهم التعامل مع الأشياء بروية وعمق.
تنتهي أحداث الفيلم بفشل مغامرة الطبيب بالاحتفاظ برونالد على قيد الصحو، فرغم مقاومته الشديدة يعود إلى عالم الغياب والصمت المطبق، ويخلف إحساسا بالخيبة لدى المشاهد الذي عايش بلهفة لحظات اليقظة الباهرة، وقد يشعر بالغيظ لأن الفرح بالعودة إلى الوعي سرعان ما يزول وتتجمد ملامح رونالد الذي يصبح أكثر قربا لهيئة التمثال.
وبعد استيعاب جماليات كثيرة يتميز بها هذا الفيلم، يستقر في ذهن المشاهد سؤال كبير تخلفه الوقائع وتدفعه إلى الخشية من مجرد التفكير بكم الأيام والسنوات التي مرت عليه من دون أن يلحظ أنه لم يكن أكثر من تمثال تنقصه مقومات الوجود كلها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   تصنيف :بسمة النسور