كنت توقفت عن ارتكاب الأحلام منذ ألف عام مضت ، واتخذت قرارا حاسما بالصحو والتيقظ الدائم وسيلة مثلى للتصدي لعاديات الدهر وهي كثيرة دائما كما تعلمون أصدقائي القراء المتأهبين لتفنيد كل أقوالي في ردودكم  اللاحقة  .
غير أنني ولسبب غير مفهوم تعرضت إلى كمشة  أحلام وردية شديدة الإشراق  أقضّت مضجعي وجعلتني أرتاب في حالة التفاؤل غير المبرر التي  سيطرت عليّ في الآونة الأخيرة، لأن الأصل أن تكون أحلام هذه المرحلة بالذات، وهي  الحافلة بالكوارث الطبيعية وغير الطبيعية،  محض كوابيس  مرعبة ، لكن هذا ما حصل.
 فقد رأيت فيما يرى النائم أفراحا صيفية تقام من دون زعيق سيارات حاد يعطي خلالها أهلُ العرس أنفسَهم الحقَ المطلقَ في  إغلاق شوارع بأكملها وعرقلة المرور ،  كانت الأعراس تحدث  من دون وابل من الرصاص الحيّ الطائش المبتهج،  الذي يطاول  كل من تسوّل له نفسُه الاقترابَ من ميدان الرماية في الحفل الباهظ الكلفة ، فيتحول الفرح في كثير من الأحيان إلى مأتم ويكمل العريس فرحته الكبرى خلف القضبان  ،غير معفيّ من تسديد فواتير العرس  الفادحة .
رأيت السيارات في شوارع عمان تمضي ضمن السرعة المحددة ،  والسائقين في مزاج رائق غير معاد، بل مفرط في المحبة وإنكار الذات  يتنازلون عن دورهم بطواعية ويعطون الأولوية لمشاة عزّل يستخدمون أقدامهم المجردة مستمتعين بهواء المدينة غير الملوث  فيقطعون الشارع إلى الجهة المقابلة ببساطة متناهية  من غير أن تتطاير أشلاؤهم في الهواء .
 رأيت رجالَ السير في الطرقات الخارجية المتربصين بالسائقين الطائشين ، رأيتهم وقد خلت راداراتهم من أي رقم نزق ،  مما حدا بالمسؤولين إلى توزيع أوسمة الانجاز والتفوق  بسبب الفوز الساحق الذي حققته سياسة التوعية المرورية. رأيت مواطنين يراجعون الدوائر الحكومية وقد اعتنوا بنظافتهم الشخصية  مرتدين  ثيابا نظيفة مكوية بعناية فلم تنبعث منهم سوى روائح الصابون المعطر رغم الازدحام و الحر الشديد ، فيما كان  الموظفون يقومون على خدمتهم بكل التفاني الممكن .
 رأيت نساء عمان وقد كففن عن التشابه الممل في المظهر والسلوك وتوقفن عن التقليد الأبله  لكل صرعات الموضة من دون أدنى تمييز،  وركزن أكثر على تطوير ذواتهن بعمق محافظات على خصوصية وتفرد شخصياتهن، رأيت  الرجال أقل  تجهما وأكثر عفوية وأبطأ سعيا باتجاه تحقيق مزيدٍ من الثراء، فتميزت شخصياتهم بالقناعة والرضا وقد أتقنوا تذوق مباهج الحياة الصغيرة غير المرتبطة بمقدار الأرصدة المتحققة  .
 رأيت المراهقين وقد حاولوا  التواصل  بشكل حقيقي يخلو من الاستخفاف محاولين الاستفادة من تجارب  ذويهم، مصرّين على البحث عن وظائف مؤقتة في الصيف عوضا عن التبطل ونفث الأراجيل في المقاهي "والفيعان" العبثي في الشوارع دونما هدف واضح .
رأيتُ معرضَ الكتاب مقابل الجامعة الأردنية يغص بالمرتادين النهمين إلى المعرفة والاطلاع ، رأيت المكتبات العامة تعج بالقراء المصطفين في طوابير بانتظار خلو مقعد ، كانت قاعات مركز الحسين والمركز الثقافي ومؤسسة شومان تعاني من الازدحام الشديد  والإقبال منقطع النظير على  ندوات وأمسيات ، رأيت الناس  في  قاعات الانتظار في المستشفيات والعيادات والمكاتب ومواقف الباصات والسرفيس يزجون الوقت بالقراءة ،كلٌ غارقٌ في كتابه  يلتهمون الكلماتِ بدل  السجائر وعرانيس الذرة ، متخلّين إلى الأبد  عن عادة التحديق بفضول في وجوه  الآخرين وانتهاك خصوصياتهم دونما خجل .
 رأيت كل ذلك  فيما يرى النائم ، لكني صحوت مذعورةً على زامور سيارة الجار المحتد غضبا لأن الجارة ركنت سيارتها على باب كراجه ، ومن دون أدنى مراعاة  لحقيقة أنها سيدة وأنها جارة ارتكبتْ خطأ غير قاتل، بادرها الجار العصبي بسيل من الشتائم ،  ما دفعها للاتصال بزوجها الذي عاد  مصحوبا  بأبناء العمومة فدب شجار بالأيدي أسفر عن وقوع إصابات غير طفيفة بين الجانبين،  فيما اصطحبتْ الشرطةُ الأطراف المتنازعة مكبلي الأيدي.
   تذكرت كمشة أحلامي  المفرطة في ورديّتها ، وكان علي القول : اللهم  اجعله خيرا !!!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   تصنيف :بسمة النسور