على شبكة الانترنت بلغ عدد زواره المليون ، نعم مليون شخص وربما أصبحوا الآن أكثر ، إنه البرفسور الأميركي الراحل حديثا راندي باوش الذي اكتسب شعبية واسعة إثر تقديم  محاضرته الشهيرة .
 في تطبيق لعرف أكاديمي متبع في أوساط جامعية ، فإن على المدرس إقامة  فرضية علمه بدنو أجله، وتوفر فرصة أخيرة لديه لإلقاء محاضرة نهائية أمام طلابه حيث يجد نفسه أمام أسئلة شائكة ذات طبيعة أخلاقية ووجودية ، حول ما يمكن قوله في ما لا يتجاوز الثلث ساعة كتعبير ختامي عن خلاصة حياة بأكملها .  غير أن  الفرضية لم تكن افتراضية تماما في حالة باوش،  لأنه كان يعرف جيدا أنه على وشك الموت إثر إصابته بواحد من أخطر أنواع السرطان وأسرعها انتشارا وأكثرها دهاءً، إذ لاتكاد الأعراض تتكشف في الجسد الغافل حتى مراحل متقدمة جداً .
 بعد أن علم أن ما تبقى لديه من العمر هو أشهر معدودات فقط، قدم محاضرته الدراماتيكية المثيرة لمشاعرإنسانية شتى أمام طلابه الأربعمائة في جامعة ميلن. ورغم تداولها على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام المختلفة، صرح في مقابلة صحافية بأنه كان يقصد مخاطبة صغاره الثلاثة التي لم يبلغ أكبرهم العاشرة بعد. أرادهم أن يتعرفوا إلى أبيهم ،هذا الرجل الذي واجه مصيره بنبل وشجاعة الفارس، وقد حرموا إلى الأبد من حضوره في حياتهم  والاحساس بمدى الحب الذي يكنه لهم.
ومن اتيح له الاطلاع على المحاضرة، متلفزة أو مكتوبة، سوف يعتريه الذهول من كم التماسك الذي أبداه هذا الاربعيني ذو الهيئة الرياضية الفتية الشابة ، غير أن التأثير سوف يكون أقوى بكثير لدى التأمل بملامحه ولغة جسده،  إذ يقوم ببعض الحركات الرياضية للتأكيد على قوته البدنية والنفسية  وهو يلقي محاضرته المدهشة من حيث  عمق الافكار وبساطتها وقوة تأثيرها.
 كانت بمثابة وصية لحياة افضل لمن يحب، واحتفالية دافئة بحياة عاشها كما ينبغي دونما ندم. تحدث باوش ببساطة وواقعية غير مستسلمة  ولكن مسلمة بقدرية الاشياء،  تناول حيثيات المرض الذي استفحل  واعتبره مجرد حظ سيء ، وطرح رؤيته للحياة التي شبهها  بلعبة ورق حال توزيع الاوراق يصبح اللاعب خلالها عاجزا عن تغيير واقع الحال، بيد انه يظل مسيطرا على  إدارة أوراقه بما يجعل الخسائر في حدها الأدنى.
كما يطرح باوش ألوان الحياة مثلما يراها، اذ يحتل البياض عشرة بالمائة ويحتل السواد عشرة بالمائة، فيما يشكل الرمادي ثمانين بالمائة. وهو يرى أن الطريقة المثلى للتعاطي مع الحياة تكمن في قناعتنا أن الرمادي هو أغلبية بيضاء ليس إلا !
وانطلاقا من هذه الرؤية، يصر باوش على الضوء  بصفته خيارا مصيريا، ويركز على أهمية اكتشاف طاقات الذات الإيجابية التي لم يتم الالتفات الى أهميتها بعد.
 لم يبدد الأكاديمي الأميركي الوقت في رثاء الذات واستجلاب الشفقة والعطف، ولم ينشغل إلا قليلا في الإعداد لترتيبات جنازته، لأن ذلك ليس بالطريقة العملية لقضاء ما تبقى، لمعرفته بأن  قلة الوقت  قد تشكل حافزا كبيرا للانجاز ، لذلك اختار أن يقضي ما تبقى له من وقت مع صغاره، وفي محاولة مساعدة الآخرين .
 مضى راندي باوش منذ أيام  بعد أن لقن البشرية من خلال كلماته البسيطة الحميمة درسا بليغا في عشق الحياة وفي كيفية استثمار الألم كي يصبح دافعا للعطاء. كما راح  يتكيء على المأساة  للتبشير بقيم الخير والجمال والمراهنة على الحب كطاقة أبدية لا تنضب حتى بعد نفاد الرمق الاخير!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   تصنيف :بسمة النسور