(نص رسالة من عاملة آسيوية وافدة)
خطيبي العزيز: أكتب لك من الأردن، إنه بلد جميل وشعب طيب، لكني افتقد أشجار المطاط وجوز الهند وعينيك!
نمط الحياة هنا يختلف كثيرا عن بلادنا، عمان مدينة جميلة ونظيفة فيها عدد هائل من المباني الحجرية الضخمة، يعشقون الحجارة في هذه المدينة "وهذا ما لا افهمه" يبدو لي أن تربة عمان صالحة لزراعة الشجر أكثر من شق بطنها بأعمدة الاسمنت!
كما قلت لك إنهم شعب طيب وأصيل لديهم من صفات النبل والشهامة والكرم الشيء الكثير، لكني لمست فيهم بعض الخصائص التي تميزهم عنا: عموما هم ميالون إلى التوتر والعصبية والغضب السريع لأتفه الأمور، كثيرا ما يتورط الواحد منهم بسهولة في اشتباك لفظي خشن مع الآخرين قد يتطور إلى مشاجرة دامية مكتملة النصاب.
من المؤكد أنهم يفتقرون إلى ميزة الصبر والتروي، رب عملي رجل  بالغ الاحترام غير انه متجهم على الدوام ويعاني من ضيق مستمر لأسباب ليست مفهومة، وهو في حالة تذمر دائمة من ارتفاع الأسعار واستهتار الأولاد وعدم تفهم الزوجة، حين اكتشف أن ابنه الأكبر يدخن استشاط غضبا وعنّفه بشدة، مهددا إياه بقطع المصروف. بعد ذلك أمرني أن اعد له فنجان قهوة وأشعل سيجارة مواصلا التأفف من حظه العاثر.  زوجته رئيستي المباشرة وهي امرأة عاملة تعاني من تعب وإحباط دائمين، ولا تكف عن الشكوى والتذمر من كل شيء تقريبا.
الأردنيون غير متسامحين مع تقلبات الطقس، بل يأخذونها على محمل شخصي، وكأنها موجهة ضدهم حصرا! يضيقون ذرعا في أوقات الحر فيصبحون أكثر عصبية ونزقا، غير أنهم لا يفرحون بالشتاء أيضا،  حيث التبرم من أسعارالمحروقات وشدة البرد وصعوبة الحركة، علما أن طقس بلادهم معتدل قياسا إلى طقس بلادنا، فموجات الحر الشديد والبرد القارص لا تتعدى بضعة أيام في السنة، غير أنهم لا يحسنون الرضا والتكيف مع تلك التقلبات ولديهم دائما ما يتذمرون منه، ولا أظن أنهم يتقنون مهارات الاتصال مع قوى الطبيعة بشكل حكيم وإلا كانوا أكثر هدوءا واتزانا.
في الواقع هناك أمور كثيرة لا افهمها، غير أن أكثر ما يثير حيرتي هو علاقتهم الوثيقة بالتلفزيون. يبدو أنهم يقدسون ذلك الصندوق العجيب كما نقدس بوذا، يتحلقون حوله يوميا، وهو بالمناسبة الشيء الوحيد المشترك لدى العائلة برمتها، يتابعون أحداث مسلسلات بمثابرة حثيثة يخيم عليها صمت مطبق، ويركزون جميعا على متابعة الأحداث المتكررة في مسلسلات شديدة التشابه، البحلقة في الشاشة هي الوسيلة الوحيدة لديهم لقضاء الأمسيات حتى لو كان لديهم زوار.
رغم شكواهم من ارتفاع الأسعار غير أنهم يبالغون في الإنفاق سيما على المآدب حيث الإفراط في تقديم أصناف الأطعمة الغنية بالدهنيات فهمت أن معيار إكرام الضيف لديهم مرتبط بكمية اللحم المقدمة، حيث يقيمون المآدب لغايات التفاخر مع أن الهدف من الطعام هو سد الجوع كما هو الحال لدينا، وهم قلما يستخدمون أجسادهم كوسيلة نقل لأن اعتمادهم الكلي على السيارات مهما قصرت المشاوير، لذلك فإن معظمهم ميالون إلى السمنة.
هناك دائما حديث عن مصاعب استقدام العاملات الوافدات من بلادنا لأسباب تتعلق بارتفاع الأجور وزيادة رسوم تصاريح العمل والاقامات، لكن لا تقلق لن يستطيعوا الاستغناء عنا، لأنهم اعتادوا الاتكاء علينا في كل تفاصيل حياتهم. سأستمر في إرسال الدولارات شهريا من أجل تأمين مستقبلنا، وتحقيق حلمنا في امتلاك قطعة ارض نزرعها بالشاي ونصدره ثانية إليهم!
 

بسمة النسور


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   تصنيف :بسمة النسور   العلوم الاجتماعية