بعد 18 شهرا وحوالي 24 ألف قتيل، لا تزال المواجهة مفتوحة على مصراعيها بين أجهزة النظام السوري وإرادة الثوار. ولكن في هذه الأشهر، وعلى دماء كل هؤلاء الضحايا حدث تغير جذري وعميق في تركيبة المجتمع والدولة السورية، ربما يصبح غير قابل للتراجع عنه.
لم تمر الثورة السورية بالمراحل الرومانسية للثورتين المصرية والتونسية، ولم يتحقق الاحتواء كما في المغرب والأردن والجزائر والبحرين، وحتى في ليبيا لم تكن دولة القذافي بنفس الشراسة التي أظهرتها دولة الأسد. زين العابدين اختار الخروج وتجنيب تونس الويلات وهذا ما يذكر له، مبارك تجنب استعمال القوة المفرطة ولم يسمح له الجيش بذلك وكان أقصى ما فعل؛ موقعة الجمل التي نظمها وزير داخليته. القذافي كان يعتمد على كتائبه القبلية ولا توجد لديه ترسانة اسلحة مدمرة كما ساعد تدخل الناتو بشكل كبير في حماية الثوار. في سوريا يوجد جيش وشبيحة عبارة عن وحوش على هيئة بشر لا يملكون ضميرا ولا قلبا وجاهزون لكافة أنواع القمع لشعبهم والذي يواجه آلة تدمير شرسة دون اي دعم دولي، بينما يتفلسف أنصار النظام بالمؤامرة الكونية المزعومة.
اضطرار الثوار السوريين إلى اللجوء لما يتوفر من سلاح لحماية أنفسهم ودخول عناصر تنظيم القاعدة والجهاديين وضعف تنظيم المعارضة السياسية البائسة في الخارج وطغيان البعد الطائفي على نمط الصراع في سوريا جعل المعركة تصبح أكثر دموية وجعل الثوار أيضا يلجؤون في بعض الحالات لعنف وتصفية جسدية فورية وانتهاكات لحقوق الإنسان ورغبات في الانتقام سممت كافة أجواء المجتمع.
في سوريا يعاني المجتمع من التفكك التام واضطرار بعض الجهات والأحياء للتسلح الذاتي لحماية أنفسهم مع غموض تام في مسار الصراع العسكري. في حال انتصر النظام سوف يستبيح المدن والقرى التي ثارت ويرتكب مجازر بشعة، وفي المقابل في حال سقط النظام سيتعرض العلويون لحملات انتقام لا تقل سوءا، وربما ايضا بعض الاقليات الطائفية والدينية والتي اصبحت محسوبة على النظام مؤخرا نتيجة خوفها المبرر من التحول إلى حكم ديني متطرف مستمد من أفكار الجهادية السلفية.
تحليلات مراكز البحث والدراسات الغربية (وهي مؤثرة في صنع القرار ويسترشد بها السياسيون بعكس ما يحدث لدينا) تشير إلى حتمية سقوط النظام ولكن بعد فترة أطول من المتوقع. المشكلة أن التداعيات لذلك قد تكون سقوط الدولة نفسها تحت وطأة إنشاء جيب علوي وغياب السلطة المركزية في بقية أنحاء سوريا والصراع بين “تيارات الثورة” خاصة الإسلاميين والعلمانيين مع احتمال الغلبة للإسلاميين المجهزين بشكل أكثر على استخدام الأسلحة. في هذا السيناريو المرعب قد يسقط المجتمع السوري كله في الهاوية.
كان يمكن للنظام أن يستمع للناس ولكن ثنائية القوة وقصر النظر هي مصيبة حقيقية وما يقوم به النظام الآن هو تكرار لجنون شمشون الذي هدم المعبد على نفسه وأعدائه أو نيرون الذي حرق روما وهو يعزف على القيثار. بشار يحرق سوريا وهو لا يزال يعزف سمفونية المؤامرة الخارجية الدولية التي لا تطرب أحدا ولا يستمع إلا لهدير أنصاره “الأسد أو نحرق البلد”.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور