يحتاج الواحد منا بين الحين والآخر إلى لحظة مكاشفة مع الذات، يُخضع نفسه خلالها إلى تحقيق صارم، مزود بأدوات تعذيب لابد منها، كالإحساس بالذنب والندم والرغبة في الاعتراف والرجوع عن الإساءة، على سبيل التخفف مما اقترفت يداه في حق الآخرين.
هي لحظة مفصلية من دون شك وتتطلب أقصى درجات الصدق والشجاعة كي يتمكن المرء من التمتع بفضيلة الاعتراف والإقرار بعيوبه والعمل على التخلص منها، ذلك قبل الاحتفال بمزاياه والترويج لها كعنوان لشخصيته، وفق انحياز ننجر إليه بشكل فطري كوسيلة دفاع ليست مجدية في كثير من الأحيان.
الحقيقة، حتى لو كانت جارحة، فإنها تظل أكثر سطوعا من عين الشمس التي لا يمكن لأي غربال أن يخفي معالمها، وحين نظن واهمين أننا نجحنا في استغفال من حولنا، ونطرح أنفسنا كأشخاص أسوياء متوازنين متصالحين مع ذواتنا ومع الآخرين في سبيل الحصول على إقرار منهم باستحقاقنا الاحترام والقبول ضمن الجماعة..، فإن الخديعة لن تنطلي على النفس التي ينبغي لها أن تظل لوامة على الدوام.
وحين "نطبطب" على أخطائنا فإننا بالضرورة سوف نستمر في اقترافها، ما يترتب عليه إلحاق الأذى بالآخرين، ولا يكفي، والحالة هذه، القول إن ذلك لم يكن متعمدا؛ فالأذى حاصل بجميع الأحوال.
حين يكذب الصديق على صديقه بغض النظر عن حجم تلك الكذبة أو لونها، حتى لو افترضنا أنها شديدة البياض وبريئة النوايا، وحين ينتهك الصديق خصوصية صديقه ويبيح لنفسه بتجاوز المساحة النفسية المقترحة في العلاقة، ويعمل على نهب روحه واحتلال فضائه باعتبارها مشاعا، ولا يتوانى عن استغابته والخوض في تفاصيل حياته دون وجه حق بذريعة الاكتراث الذي يصل في حالات كثيرة إلى درجة الاستحواذ المرضية..، فإن سؤال علاقة الصداقة حري بأن يطرح من أساسه.
يحق للطرف المجني عليه والحالة هذه طرح ذلك السؤال، والوصول إلى النتيجة التي تتناسب ومقدار الجرح.
البعض، وهم قلة، يمتلك مهارات العفو حتى لو عزت المقدرة، ويتمكن من تجاوز حالة الخذلان بمن كان يعول عليهم كسند للروح في لحظات إعيائها، والبعض الآخر قادر على اللوم والعتاب، أو حتى التقريع والمواجهة الحاسمة التي سوف تؤدي بالنتيجة إلى قطيعة تامة.
وثمة فئة تمارس حق الانسحاب والنأي، فتترفع عن الخوض في التفاصيل التي سوف تبدو بلا قيمة إزاء السؤال الجوهري حول جدوى العلاقة ذاتها، ليصل حتما إلى نتيجة مفادها أن الوحدة تبدو خيارا أكثر رأفة من رفقة السوء!
وتظل العلاقات الإنسانية على اختلاف مسمياتها منطقة شائكة يتطلب إتقانها، توفر شروطا كثيرة، لأنها قائمة أساسا على مبدأ تضارب الأمزجة، وتنافرها أحيانا؛ فالانخراط في أي علاقة يتطلب من حيث المبدأ التنازل، كاختيار حر، عن جزء من الروح، وإفساح حيز للآخر ليقيم في هذا الحيز المجترح، كحاجة إنسانية مشتركة لا يمكن إنكارها، وهي مثل أي تجربة، عرضة للصواب والخطأ والاستدراك.
ومهما مر بنا العمر، وتوهمنا بلوغنا درجة كافية من النضج والحكمة، فإن الحياة قادرة دائما على مفاجأتنا وتلقيننا أقسى الدروس وأكثرها إحداثا للصدمة؛ أقصد صدمتنا بأنفسنا، وبكم التناقض والالتباس الذي يكتنفها.
اذا لنحاول الاعتراف في لحظة المكاشفة المقترحة هذه بمدى قصورنا، وبفداحة الأخطاء التي نرتكبها أحيانا، وذلك كخطوة أولى للوصول إلى مرحلة التماثل للشفاء من أمراض نفسية نعاني منها، ولا نملك الجرأة بعد للاعتراف بخطورتها رغم وضوح كل الأعراض!
 

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   تصنيف :بسمة النسور   العلوم الاجتماعية