يعيش العالم المتقدم في وقتنا الحاضر يقظة صحية واسعة، تعاظم فيها إدراك البشر بضرورة العودة إلى مفردات أمنا الطبيعة، كونها المصدر الوحيد للشفاء، وقد ظهرت مدارس عديدة في علم الطب البديل، قائمة على أهمية الاستعانة بما تجود به الأرض من دواء طبيعي، تعتقد بأنه يصلح لعلاج الأمراض حتى المستعصي منها، وتؤكد على قدرة الجسد على شفاء نفسه ذاتيا من خلال التركيز على الجانب النفسي، وتعول بشكل أساسي على الطاقة الإيجابية الكامنة وتصر على إطلاقها باعتبارها وسيلة مثلى للخلاص من الأمراض من دون الحاجة الى تعريض الجسد للتراكيب الكيماوية غير واضحة المكونات، المضرة حتما على المدى البعيد.
لا شك أن طرحا كهذا لا يخلو من مغالاة وتطرف، وفيه تقليل من شأن منجزات علمية كبرى أحدثت ثورة جذرية في العالم، وأنقذت ملايين من الأرواح كانت تحصد بالجملة، بفعل انتشار أوبئة انقرضت بفضل جهود علمية خارقة لا يمكن وبأي حال إنكار أثرها على البشرية جمعاء، إذ لا يمكن تصور حالنا في عالم يخلو من الدواء.
وتفرض دول العالم المتقدم قوانين صارمة فيما يتعلق بسياساتها الدوائية  التي تتميز بالتشدد، سعيا لضبط عمليات التعاطي بالأدوية، كما يعتبر تخصص الصيدلة من أهم الاختصاصات وأكثرها خطورة لأنه يتعامل بشكل مباشر مع صحة الإنسان.
وتحول تلك القوانين من خلال آليات الرقابة الصارمة دون انتشار الفوضى المحتملة في هذه السوق فائقة الحساسية، وبالنتيجة تسعى إلى حماية الأرواح وتجنيبها التعرض للخطر المترتب على الاستخدام غير المدروس للأدوية.
وتلزم هذة القوانين قطاع الصيادلة توخي أقصى درجات الحيطة والحذر في هذا الشأن، فلا يسمح بصرف أبسط أنواع الأدوية من دون وصفة طبية، ولا يمكن بيع الدواء تحت أي ظرف لقاصر، وقد يجد المرء نفسه عرضة لتحقيق شبه جنائي إذا سولت له نفسه التفكير في شراء أكثر من علبة مسكن للصداع تحت طائلة الاشتباه بالإدمان.
الصورة لدينا في الأردن مغايرة تماما، بحيث يبدو أننا جميعا نحمل مؤهلا عاليا في علم الصيدلة، ولدينا القدرة كذلك بل والجسارة لتقرير نوع الدواء اللازم من دون الحاجة لمراجعة الطبيب، ليس ذلك فحسب بل لا نتوانى عن تقديم المشورة الطبية للآخرين بدواء جربناه سابقا مؤكدين بثقة ليس لها ما يبررها على انه، (وحدة بوحدة) وذلك في تطبيق عملي للمثل الشعبي القائل اسأل مجربا ولا تسأل طبيبا.
وما يزيد من قتامة الصورة أن الكثير من الصيادلة يقدمون على بيع معظم أصناف الأدوية دون التحقق، ولو على سبيل رفع العتب، من وجود وصفة طبية.
وبالتالي فإنه بإمكان أي مواطن أردني ابتياع أنواع المهدئات والمسكنات كافة، إضافة إلى مختلف أنواع المضادات الحيوية، حتى الأدوية المضادة للاكتئاب التي تبيعها كبريات الصيدليات ببساطة من يبيع علبة "علكة"!
ثمة صيادلة بلا ذمة ولا ضمير لا يترددون في بيع أدوية السعال لصبية يعرفون جيدا أنهم مدمنون على هذا النوع من الأدوية رخيص الثمن كفيل بإيصالهم بسهولة ويسر إلى مرحلة الانتشاء، ويعلقهم إلى الأبد في فخ الإدمان والتعاطي.
وعند تأمل اللوائح والتعلميات الصادرة عن وزارة الصحة ونقابة الصيادلة بالخصوص سوف نستنتج أنها رادعة وفعالة ولكن على الورق فقط، أما على مستوى الواقع فإنه لا يمكن لأي جهة رقابية مهما بلغت من كفاءة وجاهزية من التصدي منفردة لهذه الظاهرة السلبية، لأنها متعلقة أولا بدرجة وعي أفراد المجتمع وبالضمير المهني للصيدلاني المؤتمن على أرواح الناس.
وهذه مسألة لا يمكن ضبطها بقرار رسمي في جميع الاحوال.
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   تصنيف :بسمة النسور