يؤكد مسؤول كبير شغل مناصب هي أرفع ما يمكن أن يشغله مواطن، أنه لم يسمع من كل قابلهم شكوى من التعليم والصحة في بلادنا؛ فلا يتلقى إلا مطالبات بتعيينات كبرى أو توظيف... ليس هذا الشعب الأردني يا سيدي، ولكنهم من يتاح لهم أن يقابلوك، ومن يتاح له ذلك؟
لقد درست في أربع مدارس، ثلاث منها بناها الأهالي على نفقتهم وبجهودهم، والرابعة ساهموا في نصف تكاليفها. كما شاركنا في شق ورصف طريقين للبلدة، يربطانها بعجلون والغور. وأنشأنا من أموالنا شركة محلية للكهرباء، تزود البيوت بالتيار وتنير الشوارع! ويذهب أبناء البلدة وبناتها إلى المدارس، وقد درسوا في الجامعات على حسابهم الخاص، والكثير منهم أكملوا دراستهم العليا، وبذلوا وأنفقوا كل ما يمكنهم لتعليم أنفسهم.
الذين لم تقابلهم يا سيدي ولم تعرفهم بعد، يحلمون بمدارس وعيادات ومراكز صحية في أحيائهم وبلداتهم. هل سمعت، دولتك، بمدرسة بنيت في عمان منذ العام 1990؟ كم مدرسة خاصة أقيمت في السنوات العشرين الماضية؟ هؤلاء يحلمون أيضا بشوارع وأرصفة وأحياء غير متوحشة، يستطيع أبناؤهم أن يمشوا على أقدامهم فيها، وأن يصلوا إلى مدارسهم ثم يعودون إلى بيوتهم بأمان! وألا تكون عمليات نقل التلاميذ إلى المدارس وعودتهم إلى البيوت عملية لوجستية معقدة ومكلفة أكثر تعقيدا وصعوبة من العملية التعليمية برمتها! وهم يتطلعون الى رعاية صحية واجتماعية لكبار السن والمرضى، تليق بكرامتهم ومواطنتهم؛ وحدائق ومكتبات عامة، وألا تُحوّل إلى مطاعم ومقاه تجارية. وكذلك تشريعات ضريبية عادلة، وضمان اجتماعي لا يعادي المواطنين، وأندية رياضية وفنية ومسرحية يشاركون فيها ويشجعونها، وأن يحظى المتفوقون بفرص للابتعاث فلا تُمنح الفرص لمن لا يستحقها. وأيضاً، تحصيل ضريبي حازم وعادل؛ فالذين يتهربون من الضرائب يا سيدي هم الذين تلتقيهم.
يبدو أن الأردنيين الذين أعرفهم ليسوا هم الذين يعرفهم دولته؛ ومعه حق، ومعي حق أيضا. ولكني أحلف بالله أربعا، كما حلف هو أيضا أربع مرات، بأن الأردنيين مستعدون لقبول إلغاء الدعم نهائيا عن جميع السلع في ظل نظام تعليمي وصحي واجتماعي وضريبي عادل وكفؤ. وأنهم مستعدون للتخلي عن التوسط والمحسوبيات.. من يا تُرى أنشأ ثقافة الواسطة والمحسوبية؟ بالتأكيد يا سيدي ليس أنا هو الذي عين وابتعث الناس على غير وجه حق، ولا شجع على التهرب الضريبي وقبل به، ولا هو الذي وجه الإنفاق العام وجهات ظالمة!
يؤكد دولته أن تهمة توريث المناصب والفرص غير صحيحة.. وأنا أوافقه تماما، وأهدي الفاتحة لروح معالي والده.
 

المراجع

rasseen.com

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد   العلوم الاجتماعية