نافذة محاطة بحديد حماية في الطابق الثالث من عمارة حديثة البناء، يطل من بين قضبانها طفل مكتنز الوجنات أحمرها، لم يتجاوز السنتين بعد، يصرخ في وجه أمه حانقا لأنها لم تسمح له بالذهاب إلى المدرسة، ويصر على أنه أصبح في الصف الثاني مثل أخته الكبيرة التي تحظى، حسب ادعائه، باهتمام كل العائلة.
ولغايات السرد سوف أفترض أن اسمها "بانا"، وهي بالضرورة بنت شقية متعددة المواهب، خفيفة الظل، ذات شخصية قيادية، والأولى على صفها دائما.
ها هي تهبط الدرجات راكضة كي تنضم إلى أولاد الجيران، في انتظارهم للباصات تجوب الحارات، تلتقطهم كما لو كانوا زهورا برية غضة، يغالبون الكسل وعدم الرغبة في مغادرة دفء البيوت، يعتمرون قبعات صوفية ملونة، ويرضخون لإلحاح الأمهات بضرورة الإسراع حاملين على ظهورهم حقائبهم الثقيلة، حالمين بيوم عطلة وشيك مقبل يقيهم شر الواجبات المدرسية.
في نفس العمارة، ولكن في الطابق الأول، ثمة أرملة بلغت من العمر عتيا، أجبرها الأولاد المتحققون مهنيا، على السكن في البيت الجديد المتناسب أكثر مع مستواهم الاجتماعي الراهن!
تسقي الختيارة ورودها المكتظة في بلكونة صغيرة، متأملة بشيء من الأسى الحراك الصباحي الخاطف في حارتها الجديدة، متبرمة من قرار أولادها المتعسف حين زجوا بها حيث جيران لا يتبادلون تحية الصباح، ولا يرغب أي منهم بالتعرف على أحد، وتشعر بالحنق لأنها لا تعرف أسماء جيرانها، حتى من خلال تلك البطاقات الصغيرة المثبتة على أبواب الشقق.
تقول للحارس باستهجان حتى بالعيد لا أحد يطرق باب أحد "صرنا زي الأجانب يا خوي!"، ولا تخفي حنينها إلى حارتها القديمة في عمان الشرقية، حيث الصخب الحقيقي الدائر على مدى اليوم، صوت سيارة موزع الغاز تطلق أنغاما موسيقية خفيفة، وتتوقف أمام بيوت استفاقت فجأة على ارتباك صباحي غير مرغوب. ثم تأتي سيارة الخضراوات والفواكه وصوت البائع ينطلق غليظا عبر مكبر الصوت، يدلل على بضاعته مدعيا أنها الأفضل في كل عمان.
ربات بيوت بلغن منتصف العمر يتميزن بأوزان ثقيلة، ولكن ما زلن مقبلات على الحياة، ينطلقن كسرب من البطات المكتنزة، يرتدين بدلات رياضية بألوان زاهية، يتذمرن من نزق أولادهن المراهقين غير المستقرين عاطفيا، يكررن نفس الحكايات عن مشاكسة أولئك العاقين الصغار، ويتبادلن المشورة حول طبخة اليوم، ويجبن شوارع الرابية شبه الخالية إلا من العمالة الوافدة: حراس ومستخدمات منهمكون في تنظيف مداخل العمارات والسيارات الفارهة، حريصون على ترك الماسحات معلقة في الهواء، كي يتأكد أصحابها أنها نظفت جيدا.
دكاكين صغيرة في بنايات لا يستدعي الدخول إليها تفتيش أمني حثيث، كانت في الأصل كراجات ملحقة بالبنايات وسرعان ما تم استثمارها من قبل متقاعدين تحولوا في يوبيلهم الذهبي إلى باعة صغار، غير معنيين بتوسيع نطاق تجارتهم المحدودة والتي لا تتعدى احتياجات أهل الحارة الضرورية، لكنهم معنيون أكثر بالقضاء على أسباب الملل والفراغ وتزجية الوقت بما هو مثمر ومفيد، يحظون عادة بشعبية كبيرة بين السكان، حدائق غناء "متعوب عليها"، هي في واقع الأمر ملك للمارة يتمتعون بها أكثر من مالكيها الأصيلين، تحيط بها بيوت فارهة لكنها لا تشي بأي ملمح حياة، شوارع تكاد تخلو من المشاة طيلة ساعات النهار، ما تلبث أن يلفها ظلام وصمت يمتد حتى مطلع اليوم التالي.
بطبيعة الحال لا تنحصر تلك المشاهد على منطقة الرابية فحسب، بل تتعداها إلى كافة مناطق عمان الغربية حيث الحضور الإنساني الذي يبث الحياة في روح المكان متوفر، ولكن في حده الأدنى في مقابل الحضور الطاغي للحجر الباذخ والشجر المفتعل.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد تصنيف :بسمة النسور