لا تستغرب عزيزي الأردني، لأنه كما تعرف "كل شي بيصير"، عادي جدا، قد يحدث أن تكون جالسا ذات أمسية في أمان الله، بعد عودتك من العمل، محاطا بالأولاد الذين ينطنطون حولك مثل السعادين، مستمتعا بالدفء غير الباهظ الذي صار ممكنا أخيرا، مقدرا للحكومة الرشيدة، في الوقت ذاته، توجهها نحو خفض أسعار المحروقات، سعيدا على نحو ما لأن تأثير الأزمة العالمية على الأردن كان طفيفا، بحسب تصريحات حكومية رفيعة المستوى.
تشعر بالأمان الوظيفي لأن أحد أصدقائك المقربين يحتل منصبا بالغ الأهمية، تتغاضى قليلا عن الفتور الذي صار يبديه نحوك منذ تسلمه مهام منصبه، وتعزو ذلك إلى كثرة انهماكاته، وتكتفي بأن "تجيب سيرته" عرضا وأنت بين زملاء العمل، من باب الترهيب الاحترازي، والتذكير بأنك "مسنود"، ما يجعلك في مأمن من مؤامرات الزملاء الطامعين في الاستيلاء على موقعك.
قد يحدث وأنت مستغرق كليا في متابعة مسلسل تركي مدبلج تنتهي أحداثه بعد خمسين حلقة على أقل تقدير بمصالحة بين الحبيبين، وتفكر بشيء من الحسرة: كم هن جميلات أولئك النساء التركيات حين يتحدثن الشامية بطلاقة!
فيما أنت تطالع في فترة الدعايات خبرا عابرا عن أحدث جريمة شرف راحت ضحيتها صبية جديدة، وتلقي نظرة خاطفة على بورصة حوادث المرور التي شهدت صعودا غير مسبوق في فترة الأعياد.
قد يحدث، أيضا، في تلك اللحظة بالذات، أن يرن هاتفك الخلوي، لأن هاتف البيت مفصول بالضرورة بسبب تراكم الفواتير غير المسددة، قطعا الرنة سوف تكون مرحة ورقيعة، وربما رومانسية لكنها في جميع الأحوال لا تتناسب مع وقارك المقترح.
إياك والتفاؤل بأي حال، كأن تتوقع صوتا أنثويا مفرط النعومة يبشرك بفوزك بجائزة كبرى، ولا تحلم مثلا أن التعديل الوزاري المرتقب سوف يشملك بعطفه بعد أن اكتشفت الجهات المعنية طاقاتك غير المستثمرة؛ الموضوع بكل بساطة أن شخصا ما من عشيرتك، التي يبلغ تعداد أفرادها بضعة آلاف، ارتكب جريمة قتل راح ضحيتها شخص من عشيرة، لا تقل بدورها ثقلا عن عشيرتك، وبالتالي المطلوب منك أن تلزم البيت، وأن لا تذهب إلى مقر عملك لحين اتضاح الأمور.
وإذا ثبت أن صلة الدم تربطك بالجاني حتى الجد الثالث، عليك أن ترضخ لقرار الجلوة، وبغض النظر عن إيمانك بأهمية سيادة القانون المدني، فقد تكون من أقوى المرشحين لنيل الثأر منه في فورة الدم، إذا تفاجأت أن الجلوة العشائرية مايزال معمولا بها حتى اللحظة الراهنة، وأن سيرتك الإنسانية، وموقعك الاجتماعي، وشهاداتك العلمية، ومنجزك المهني وأفكارك ومعتقداتك وملامحك وعاداتك، وبصمة إبهامك، وكل ما له علاقة بك كفرد مستقل، يُلغى ببساطة، وتختصر أنت كلك لتصبح مجرد شخص من جماعة الجاني.
عليك، والحال هذه، أن تكون ممتنا لأن الجلوة اختصرت عبر السنين من سابع جد إلى ثالث جد، وذلك لغايات التخفيف على الناس والحفاظ على حقوقهم ومكتسباتهم! إذ يعترف المعنيون أن الجلوة تقع ضمن منظومة التقاليد السلبية التي ترهق المواطن ولا تنسجم مع روح العصر.
ربما في المائة سنة المقبلة سوف يهتدون إلى وسيلة تمكنهم من إلغاء الجلوة كعقوبة جماعية عبثية مخالفة لكل حقوق الإنسان، ما يبشر بأن ثمة مستقبلا مشرقا بانتظار أحفاد أحفادنا، وعليه: عزيزي الأردني المعاصر: لا تتفاجأ بعد الآن، ولا تبالغ في ردود أفعالك، كي لا تؤكد مقولة ميل الأردنيين الفطري للنكد، وتذكر أن الحياة حلوة رغم كل شيء، وابتسم دائما فأنت في الأردن!

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   تصنيف :بسمة النسور   العلوم الاجتماعية