لا يحق لأيّ كان، وبأيّ حال، التشكيك في الدوافع النبيلة لأولئك المتألمين جراء ظرفنا العصيب هذا، فهي المحرك الوحيد لطرائق تعاطيهم ووسائل تعبيرهم عن مواقفهم من فداحة المأساة، ولا مجال للمفاضلة في هذا السياق، فالكل سواسية في درجة الجرح.
هناك النخبوي الذي لا يجد سوى الصمت أسلوبا مقترحا، يتسم بالحزن والرقيّ ويرى في ذلك احتراما للحق والحقيقة، وإجلالا بليغا للدم المراق، وكذلك الشعبوي الذي يفرط في استخدام اللغة، فيتمادى في المباشرة والسذاجة اللفظية كمشاركة في فيضان لغوي وتدفق معجمي من باب "فش الغل".
وثمة من "ينحرق" قلبه غضبا وغيرة وحزنا على أرواح الشهداء من الأطفال المغتالة طفولتهم، المنهوبة حياتهم من دون أي رادع إنساني أو أخلاقي، ومنْ يفور دمه حمية وحماسة للمقاومة، وإن تعددت أسبابها، باعتبارها خيارا وحيدا ليس له بديل في وجه الاستبداد.
وبالمقابل هناك من يبدي تخوفه، مستندا إلى معطيات الواقع لانعدام توازن القوى في فضيحة إسرائيل الأخيرة، كما أن البعض يعتمد خطابا عاطفيا تعبويا يستنفر المشاعر، ويريق الدموع المتأهبة في المآقي، يبح صوته في المظاهرات يعتصم ممعنا في التنديد، مشعلا الشموع متدثرا بالدعاء.
آخرون ذهبوا بصمت للتبرع بالدم، وهناك منْ تنازلت بطيب نفس عن مصاغها الذي ما عاد ثمينا مقابل دم الأطفال المهدور في غزة، ومنْ تخلى طائعا عن جزء من راتبه للمساهمة في إغاثة الملهوفين.
حتى من يتسمر بلا حيلة قبالة التلفزيون، يغلق عينيه هلعا لمشاهد القتل والاستباحة، ويضحك من بين الدموع لتصريح المرأة الغزاوية الجميلة التي توعدت الغزاة "بإلقاء جرة الغاز الفاضية على رؤوسهم بعد استقبالهم بالصرامي"، ويلاحظ أن شيرين أبو عاقلة تبدو شاحبة ومرهقة، ولا يخفي إعجابه بأسلوب جيفارا البديري التي لا تتخلى عن حماستها، ويظل صوتها يرن بنبرة تصميم ليست محايدة على الإطلاق.
كلهم من دون أدنى تمييز، كل أولئك وعلى اختلاف أمزجتهم وطبائعهم ومنابتهم ومشاربهم وأصولهم يوحدهم الغضب وينطلقون من نقطة واحدة هي الاكتراث البالغ والتعاطف الكبير.
غير أن المتابع للفوران البلاغي الدائر رحاه في كافة المنابر والمواقع الالكترونية على وجه الخصوص، يشعر بالخيبة من أسلوب الحوار الذي يهبط في أحيان كثيرة ليصل إلى مرحلة تبادل الشتائم من العيار الثقيل؛ أما أدوات التخاطب بين البعض ممن يضيق صدرهم بالرأي المخالف، فهي قائمة من حيث المبدأ على قمع الآخر ومصادرة حقه في التأمل والاعتقاد، ما يحدث هو سلوك قمعي مخالف لفكرة الديمقراطية من أساسها بل يقع على النقيض منها إذ لا يتورع هؤلاء عن التخوين وإلقاء التهم، والوهم باحتكار مفاتيح الحقيقة والوطنية والانتماء.
مرحلة شائكة يعيشها كل منا على طريقته، نخلع نهاراتنا من أولها صباحات ثقيلة باهظة، يغيب فيها صوت فيروز، ويفقد فنجان قهوة الصباح أهميته القصوى، لافتقاره القدرة على تعديل المزاج المضروب بألف حذاء، ترتبك تفاصيلنا اليومية، وكل شيء يصبح بلا معنى كل ما هو مهم وأساسي يغدو هامشيا، وتكرس حواسنا كليا للبث المباشر للجريمة، وتسيطر تقارير شبكة مراسلي الجزيرة على المشهد برمته.
ورغم كل الأوجاع، وربما بسببها، نشعر بالزهو إزاء حراك الشارع العربي الذي أثبت مرارا، وبالرغم من التعثر الرسمي الفادح، أنه شعب حي ونابض وحر، يختلف عن شعوب الدنيا قاطبة بدرجة وعيه السياسي، وحسه الوطني عالي الوتيرة وانتمائه الحقيقي للتاريخ والجغرافيا.
حقيقة وحيدة نتدفأ بها في غمرة الموت البارد الذي شرع غزوته البرية ولم يتوقف، لأولئك العزل سوى من كرامتهم ويقينهم أن ذلك الليل الطويل سوف ينجلي لا محالة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد تصنيف :بسمة النسور