يصنف الضالعون في تاريخ علم الأزياء وخطوط الموضة، مرحلة السبعينيات أنها المرحلة الفجة، الأكثر رداءة وقبحا وابتعادا عن الذوق السوي، بألوانها وتصاميمها المتطرفة والصادمة في أحيان كثيرة، إذ تميزت تلك المرحلة كذلك بتسريحات الشعر الطويل المتمرد، بألوانه الحادة والصارخة، بما يذكر بفلول الهيبيين من اتباع البيتلز وعشاق ألفيس بريسلي، حيث اقتدت أجيال كاملة من الشباب بمظهره المختلف، وكان مألوفا جدا تقليعة الشعر الطويل للشباب، والسوالف الكثة القبيحة المتروكة على الوجه، ضمن تصميم غريب عجيب، من دون مناسبة!
كما طغى "بنطلون" الشارلستون، بقصته الشاسعة العرض والطول، بحيث تكنس حوافه الشوارع بكل سهولة ويسر، يعلوه قميص بالغ الزركشة!
لم يكن من السهل آنذاك تمييز النساء عن الرجال للتقارب الشديد في المظهر، ويكفي أن يطالع أي من هؤلاء صوره القديمة العائدة إلى تلك الحقبة، غير الذهبية، حتى يعتريه الحرج، وربما يبادر إلى السخرية من نفسه قبل أن يفعل أولاده ذلك.
أولئك "الخنافس" من الصبايا والشباب الذين رفضهم مجتمعهم وقتها، ونظر إليهم، رغم ميولهم اليسارية الناجمة عن وعي وثقافة عميقة، باستخفاف شديد، واعتبرهم "جيلا تافها" مقلدا بشكل سطحي لصرعات الغرب، ضائعا وبعيدا عن قضايا أمته. الآن هم أنفسهم آباء، وربما أجداد. وللمفارقة فإنهم يتعاملون مع الجيل الصاعد، ومع مفردات ثقافته من مظهر وسلوك بذات الفوقية والاستعلاء، وهذه حالة جديرة بالتأمل، كونها تؤكد أن ظاهرة صراع الأجيال، هي واحدة من حقائق الحياة غير المشرقة.
ورغم كل ما قد يقال عن جماليات الخريف، فإن قلة قليلة من البشر يمكن اعتبارها محظوظة جدا، أو مضللة جدا! تنظر إلى الخريف بشكل ايجابي وتعتبره أجمل الفصول قاطبة.
وتبقى في كل الأحوال السطوة والغلبة للربيع المرادف لتفتح الأشياء ونضارتها، ولا بد من الإقرار في هذا السياق بالدوافع النفسية الخفية، من غيرة كامنة، وحسد دفين يكنه الكهول فطريا للشباب المندفع غير العابئ بهم!
وهي مسألة طبيعية جدا علينا أن نتعامل معها بتسامح، لأنها واحدة من مظاهر الضعف الإنساني، فالأصل أن تظل مرحلة الشباب في الأذهان هي المنطقة المشتهاة دوما، كونها الأجمل والأكثر حيوية وتألقا وعطاء، وهي العصر الذهبي في مراحل العمر، حيث كل الأحلام والتوقعات والآمال تبدو ممكنة التحقق، وهي ما تبرر مزايا الاندفاع والنزق وحس المغامرة وتجعل منها مزايا ايجابية تستحق الإطراء.
وكذلك يبدو الجسد في أحسن حالاته وفي عز فتوته حاملا لروح لا تقل شبابا وعنفوانا، وهي المرحلة التي من المفترض أن تستدعي الحنين لمن غادرها مكرها، وتظل دوما الفردوس المفقود الذي يلفظنا قادرا على استثارة مشاعر الغيرة لكل من تخطاها مأسوفا على شبابه، كي ينتقل إلى مرحلة النضج والحكمة، مقيما أحيانا في التحسر والأسى على ما فات ولم يعشه كما ينبغي.
غير أن تلك المرحلة الفتية على ورديتها لا تخلو من متاعب كبرى، ويواجه الشباب صعوبات جمة في التأقلم وفي إثبات الذات ضمن بيئة ضاغطة شديدة التنافس، ومجتمع ضاغط يفرض رقابة صارمة ويصادر حق الفرد في التأمل والاعتقاد، وبالتالي في التميز، وتزيد الفجوة بين الأجيال من حدة الصراع ما يؤدي بالشباب إلى خيار العزلة، ولو فكر الآباء بقليل من الموضوعية والنزاهة، لذهبوا إلى خيار التواصل الحميم مع أبنائهم، ما يقيهم شر الخيبات ويطلق أشرعتهم كي تبحر حرة طليقة في بحار هذه الحياة.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   تصنيف :بسمة النسور   العلوم الاجتماعية