فيما مضى أضحكنا عادل إمام  كثيرا، وكان لحضوره في زمن ما سطوة لا تقاوم، وربما كان الفنان الأهم في تاريخ الكوميديا العربية منذ نجيب الريحاني وعادل خيري وماري منيب. كما حقق نجومية غير مسبوقة وتفوقا على أستاذه الفنان الراحل فؤاد المهندس، وتفرد إمام في فن الكوميديا الشائك الذي لا يقوى على إتقانه أي ممثل، مهما بلغت براعته، إذا لم يتمتع بخفة الظل وسرعة البديهة والعفوية ابتداء.
ويشهد الجميع بالتاريخ الحافل لممثل تخلى عن تخصصه كمهندس زراعي، ليحصد فيما بعد الثروة والشهرة والنجاح سنين طوالا، وكانت الجمل التي يرددها في مسرحياته الشهيرة تذهب مثلاً وترددها الألسن، وتحفظها الذاكرة الجمعية من محيط الوطن إلى خليجه.
هذه حقيقة لا بد من الاعتراف بها إنصافا لتاريخ الرجل، بالمقابل وانسجاما مع فكرة أن الأشياء لا تظلّ على حالها. ينبغي علينا الاعتراف أنه لم يعد مضحكاً كالسابق، كما أنه علق كليا في النمط وصار عاجزا عن الخروج أو التنويع، والمتابع لمسيرته السينمائية والمسرحية -على الأقل في الخمس عشرة سنة الأخيرة- سوف يستنتج بسهولة أن عادل إمام يؤدي نمط شخصية واحدة ووحيدة، لا تتبدل ولا تتغير وقد فقدت أدواته بريقها وقدرتها على الإدهاش منذ وقت طويل، حتى أن سيناريوهات أعماله تفصّل على مقاس الشخصية وليس العكس، كما ينبغي في العمل الفني الذي يحترم ذكاء وحساسية المشاهد.
وإذا لم يكن نجمنا اللامع مع وقف التنفيذ، قد حظي في مطلع شبابه بأكثر من دور السّنيد حيث قدم على الدوام شخصية صديق البطل التقليدية، فإن المنطق يقول إن عادل إمام لم يعد صالحا، وقد شارف على السبعين لتمثيل دور الدون جوان "الشبيح" الفتاك الذي تقع عشرينيات فاتنات في هواه، ولن تفلح الصبغة كالحة السواد، ولا عمليات الشد في إخفاء ما فعلته السنين.
غير أنه مايزال مصرّا على النكران، وتجاهل هذه الحقيقة البسيطة التي تفيد أن الإنسان يتقدم في السن ولا يظل شابا إلى الأبد، وبالتالي لا يصلح الممثل مهما كان بارعا لأداء كل الأدوار! لكن هذا ما يقوم به عادل إمام للأسف، وتبدو أدواره ضمن جملة أفلام ذات طابع سياسي مشغول بأسلوب مباشر بالغ السطحية غير مقنع فنيا. 
ولعل أكثر ما يؤخذ على أفلام عادل إمام ذلك الإطار غير المحترم والاستفزازي الذي تظهر فيه النماذج النسائية، ويظل فيلم "التجربة الدنماركية" الشهير مثالا صارخا في هذا السياق، ولا يكاد يخلو فيلم من أفلامه من هذا التعامل غير اللائق، بل والمهين للمرأة، بحيث تُقدم دائما كموضوع جنسي بحت، والمثير للاستغراب أن كل الممثلات يعتبرن الظهور مع الزعيم حلم العمر ومنتهى النجاح، حتى وإنْ كانت الموهبة ضمن مواصفاته لاختيار بطلاته الفاتنات ليست بأهمية توفّر القابلية لديهن للتبذل غير المجاني!
ومع الإقرار أن تلك هي الصورة النمطية للمرأة في معظم الأعمال المصرية المنسوخة حكما عن أفلام هوليودية شهيرة، إلا أن جرعة الابتذال هنا تبدو مضاعفة.
وبمعزل عن تراجع أسهم الفنان عادل إمام جراء الغضب الجماهيري من مواقفه السياسية المتعارضة مع وجدان ومشاعر الشارع العربي، فإن الوقت قد حان -كما أرى- كي يفكر بالانسحاب لأسباب مهنية بحتة، والاعتراف، على الأقل أمام نفسه، أنه ما عاد قادرا على الإضافة، لربما كان خيار التنحّي مع ما تبقّى له من بريق خير وأبقى، وقد يحمي الجماهير التي عشقته ذات "مدرسة مشاغبين" من خيبات جديدة تضاف إلى سجل أصبح حاشداً بالأخطاء القاتلة.
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   تصنيف :بسمة النسور