في أصداء حياتنا، الزاوية الأكثر حيوية وصخبا في صحيفة الغد، يطرح المحرر في كل مرة قضية مثيرة للجدل، ويحرض جمهور القراء على المشاركة في السجال الدائر، مشددا على ضرورة التعبير عن الرأي بمسؤولية.
والحق أن الزملاء في الغد يمارسون مكرا ودهاء صحافيا مطلوبا في التقاط المواضيع الساخنة المرتبطة بمواضيع تمس الأكثرية، التي لم تعد صامتة، فتستفزها للمشاركة والتعبير عن موقفها من القضية موضوع النقاش، ما يجعل التفاعل في ذروة اتقاده.
وإذا وضعنا جانبا -من باب التفكير الإيجابي- ملاحظة ليست شكلية تماما حول ضعف أسلوب عدد لا بأس به من المعلقين في التعبير عن أفكارهم بلغة عربية سليمة، كما هو مفترض بداهة، واللجوء إلى العامية كمخرج غير آمن، فإن مراجعة متأملة لتعليقات القراء التي لا تخلو من اندفاع وحماسة، وأحيانا تشبث عنيد بالرأي لغايات "الجكر" فقط!..، يمكن الاستنتاج بسهولة أن هؤلاء في معظمهم من الصبايا والشباب، وهو استنتاج يبعث على الفرح، ويجدد الأمل بالجيل الصاعد من أبنائنا المتهم دائما، من دون وجه حق، بالفراغ والسطحية وعدم الاكتراث بالقضايا العامة، ضمن صورة نمطية رسمت لهم كجيل ضائع مغيب عن قضايا أمته مرتهن بالكامل لسطوة ثقافية غربية لم تبق ولم تذر، غير مكتمل شروط الانتماء منزوع الوعي والإرادة الحرة.
وتقدم أصداء حياتنا، وغيرها من المواقع، دليلا إضافيا على مستوى وعي وإدراك هؤلاء الشباب المنخرط تماما في الشأن العام، إذ يتلقون من خلال منابر جادة كهذه دروسا عملية مبكرة في أهمية اعتماد الديمقراطية كمنهج ووسيلة حياة حتمي لا بديل عنه، كما يطورون قدرة على التحليل المنطقي الهادئ، والتمكن من أدوات الحوار الحر القائم على تقبل الرأي الآخر، وعلى حق الاختلاف الذي ينبغي ألا يفسد للاحترام قضية، في معزل عن أي نزعات إقليمية أو عرقية أو طائفية محدودة ضيقة وقاصرة، من شأنها أن تعمي البصر والبصيرة معا.
غير أن هذه الحقيقة المؤلمة موجودة في بعض المواقع الالكترونية المرخصة من دون تدقيق كاف، والتي تعكس صورا مجحفة عن الأردنيين، فتحفل بالتعليقات التي لا تخلو من بذاءة في الألفاظ، والتجريح الشخصي الذي يصل حد التشهير والافتراء على خلق الله، غير بريئة من النفس الإقليمي المريض والمشبوه.
يجري كل ذلك من خلال تغذية هذه المواقع لظواهر سلبية خطيرة نعاني منها في مجتمعنا، بل وتتغذى عليها بما يحولها إلى ساحة صراع ديكة عبثي يدر عليها الكثير من الإعلانات، يهبط الحوار غير المتمدن فيها إلى درك غير لائق، لا يختلف في مستواه عن "طوشات زعران الحارات"، المتأهبين إلى الفزعة بغض النظر عن أي اعتبار آخر، كأن تكون جماعتهم الطرف المعتدي مثلا! وثمة عُرف طريف بين هؤلاء "الزعران" يلزمهم بالمشاركة في أي "طوشة" دائرة والاطلاع على أسبابها فيما بعد.
بالطبع لن يخلو المشهد الالكتروني الأردني بمجمله من تجارب مميزة مشرقة، أثبتت حضورا في المشهد المحلي والعربي من مواقع جادة ملتزمة ومتزنة ورصينة، نفتخر بها ونفرح لمنجزها ونحرص على متابعتها، كونها النافذة الأكثر رحابة، المشرعة على اتساعها كي تقدم للعالم بحرفية عالية صورة موضوعية للإنسان الأردني الحضاري والمثقف والمتقدم في منجزه الإنساني، والمظلوم إعلاميا على الدوام بسبب ميله إلى العمل بصمت غير عابئ بمهارات التسويق التي يلجأ إليها آخرون أقل كفاءة، مستندين على مبدأ المبالغة والتضليل، وهو مبدأ قصير الأمد كما يعرف الجميع!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد تصنيف :بسمة النسور