عتاب هاتفي حاول صاحبه أن يكون رقيقا قدر الإمكان، تلقيته من قارئ يقول إنه متابع حثيث لزاويتي الأربعائية، كان هذا العتاب بسبب عبارة وردت في مقالتي السابقة، حيث وجد القارئ الكريم عبارة "الدنيا ليست بخير" تصريحا غير مسؤول يتضمن مقدارا من السوداوية، لا يجوز لنا نحن الكتاب أن نتصف بها بأي حال!
ورغم أن العبارة إياها وردت في سياق الحديث عن واقع تجارة المخدرات، إلا أن قليلا من التأمل في ما يدور حولنا من "بلاوي زرقا" سوف يجعلنا نميل إلى تعميم العبارة أحيانا من دون أدنى شعور بالذنب.
قبل أيام فقط نشرت إحصائية رسمية تفيد أن خمسا وعشرين عاملة آسيوية وافدة توفيت منذ مطلع العام، ثماني عشرة حالة انتحار؛ أي في أقل من ثلاثة أشهر من عمر هذا العام الكبيس!
من أين يأتي الخير إذن في ظل إحصائية مخجلة كهذه تفيد بأن ثمة أرواح بشر تزهق في بيوتنا دوريا، وتفضل الموت على الحياة بيننا؟!
على ضوء تلك الإحصائية الصادمة، لا بد من طرق مليون ناقوس خطر قبل أن تستفحل الظاهرة ويتضاعف عدد الضحايا، ومن الأهمية بمكان بحث أسباب هذا الواقع المؤلم الذي تتعرض فيه عاملات غريبات ديار لدفع ضريبة الظلم الكوني الكبير، واعتبارات السوق العالمية التي جعلت بلادهن ذات الإرث الإنساني العريق، مجرد سوق نخاسة كبيرة.
نساء مكرهات انتزعن عنوة من تراب بلادهن مخلفات صغارهن رهائن الجوع والحرمان صدرن كبضاعة رائجة زهيدة الكلفة إلى أقاصي الدنيا، سعيا للقمة مغمسة بالغربة والظلم والاستعباد مقابل حفنة دولارات يتناهب معظمها سماسرة العرق والدمع.
المحزن في الأمر أن هؤلاء الفتيات اللواتي يعملن في بيوتنا بتفان وإخلاص وحب كأمهات بديلات، يربين الأولاد وينظفن البيوت، وأحيانا يطهين الطعام ويهيئن للنساء الطموحات مجالا رحبا للعمل والإنجاز المهني وتحقيق الذات، مطمئنات إلى أن بيوتهن وصغارهن في أمان.
هؤلاء العاملات الشريفات اللواتي رعين بحنو غير مدروس كهولا، ومرضى ضاقت بأوجاعهم العائلات، يتعرضن في أحيان كثيرة لأسوأ أشكال الاضطهاد ليس أولها الاعتداء الجنسي والضرب والتعذيب والحرمان من أبسط حقوق العمال كالراتب المنتظم والطعام واللباس والمأوى.
ويغدو الحديث عن حقوق عمالية بديهية نص عليها قانون العمل كتحديد لساعات العمل وطبيعة المهام المطلوبة والتأمين الصحي والإجازات وساعات الاستراحة وحق ممارسة العبادة، وغيرها الكثير تعتبر من وجهة نظر بعض أرباب العمل..، نوعا من الترف أو الدلال الزائد.
من هنا فإن على عاتق وزارة العمل مهمة رقابية لا بد أن تؤديها بفاعلية أكثر على مكاتب استقدام العاملات، حيث المعاملة المزرية الخالية من الرأفة، غير المراعية لحقوق هؤلاء المسكينات، وبإمكان أي زائر لبعض تلك المكاتب رصد مشاهد بشعة تنتهك فيها أبسط حقوق الإنسان من دون حسيب أو رقيب، ولا ضير كذلك من قيام مفتشي وزارة العمل بزيارات دورية مفاجئة لبعض البيوت، للوقوف على مدى الإساءة والحد من هذه الممارسات الوحشية.
وبعد أيها القارئ العزيز على ضوء واقع كهذا لا يحتمل المجال الخوض أكثر في جميع تفاصيله المخجلة، ومع احترام انحيازك للأمل؛ أما تزال مصرا على أن الدنيا لسة بخير؟!
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة قصص روايات فنون كتب روايات وكتب ادبية الآداب