يعتبر التطرق إلى مواضيع متعلقة باللباس والمظهر بمثابة عبور منطقة حرجة بالغة الوعورة مثيرة للجدل، وذلك لارتباطها الوثيق بتعاليم الدين وبمنظومة القيم والأعراف والعادات والتقاليد التي تحكم مجتمعاتنا، سيما ما يتعلق بالمرأة.
وتظل مسألة المظهر من وجهة نظري متعلقة بالحرية الشخصية التي ينبغي صونها كواحدة من حقوق الإنسان. ومن المتفق عليه أن طريقة اللباس عنصر أساسي في الحكم على الشخص، لذلك نولي اعتناء مضاعفا بأناقتنا حين نذهب إلى مقابلة عمل مثلا، كي نترك أفضل انطباع ممكن. ومهما حاولنا التقليل من شأن المظاهر في حياتنا غير أنها، سواء شئنا أم أبينا، معيار أساسي يعتد به، ومما لا شك فيه أن طريقة اللباس تعكس شخصية الإنسان باعتبارها وسيلة تعبير عن أمزجة وقناعات ومواقف سياسية أحيانا، من هنا أصبحت الكوفية العربية رمزا كونيا للرفض والتمرد على الاستبداد، تماما مثل صورة غيفارا التي افترشت قمصان الشباب في كل أنحاء العالم منذ عقود.
وفي حين أبدت الثقافة الغربية حيادا وتسامحا في هذا الشأن، وغضت الطرف عن صرعات الموضة بالغة التطرف والعنف من أزياء لا تخلو من شراسة وغرائبية جنازير ورؤوس حليقة وقصات شعر طاووسية بألوان عجيبة، ووشوم ذات مضامين عدوانية على الأجساد العارية، ولم تشرّع أنظمة أو قوانين تحد من هذه المظاهر المتطرفة، فقد سخّرت هذه الثقافة كل طاقاتها في مجابهة الحجاب الإسلامي، وأبدت أقصى درجات التشدد إزاء صاحباته.
وثمة الكثير من القصص لنساء مسلمات يحملن الجنسية الأوروبية أو الأميركية تعرضن لانتهاك صريح لحقوقهن المدنية جراء لباسهن الإسلامي، وتعرضن للاضطهاد والتمييز الوظيفي والفصل من العمل والمنع من دخول الجامعات بسبب ارتباط مظهرهن بالفكرة العالمية المصنوعة بخبث شديد عن الإرهاب. كل ذلك في ظل ثقافة تدعي تقديسا لحرية الفرد واحتراما لخصوصياته، والتي ذهبت بعيدا في هذا الشأن فأباحت زواج المثليين، وسنّت الشرائع والقوانين التي تجيز لهم تبني الأطفال!
وتظل مبررات هذا الواقع على إجحافها مفهومة، كونها واحدة من ملامح ثقافة عنصرية المنهج، استعمارية الجذور، أما ما يثير العجب حقا فهو التمييز السافر التي تتعرض له المحجبات في عقر بلادنا. ومن المعروف أن كثيرا من الكفاءات النسائية لا تحظى بنفس فرص غير المحجبات، سيما في القطاع الخاص. وبالمقابل، تتعرض غير المحجبات رغم جديتهن ووقارهن واعتدال مظهرهن قياسا إلى مقترحات الحجاب "الستايلش"، حيث غطاء الرأس فاقع الألوان والملابس الضيقة والماكياج الصارخ، تتعرض غير المحجبات إلى تمييز مقابل في بعض المؤسسات المحافظة بسبب طريقة لباسهن، وثمة نقيب سابق لنقابة تقدمية كبرى تعامل مع زميلاته وفق هذا المنطق، فمارس أشكال تمييز جائرة، طالت حقوقا نقابية لزميلات مهنة، عقابا لهن على مظهرهن غير المتفق مع توجهاته الفكرية.
وفي جميع الأحوال، يبقى الاعتدال في المظهر والسلوك هو الحل الأمثل للخروج من مأزق الإدانة الجاهزة والأحكام الاستباقية المبنية على المظهر وغير المعنية - لفرط سطحيتها- بالجوهر، وهو ما ينبغي أن يعول عليه على الدوام وفي معزل عن خديعة الأقمشة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد تصنيف :بسمة النسور