كثيرا ما يجنح بنا الوهم، فنتمادى في تضليل أنفسنا، قبل أن نمعن في خداع الآخرين غير متمتعين بفضيلة الصدق والصراحة، عاجزين بالمطلق عن الاعتراف بالخطأ، وتحمل المسؤولية التقصيرية، ونصر على تمويه الحقائق والتلاعب بالصورة، محاولين إخفاء عيوبها، عاملين على تجميلها مهما بلغت درجة قبحها.

 

يزدحم خطابنا الدفاعي الراهن، بعبارات الإدانة والاستنكار والشجب والتنديد والتنصل..، كل ذلك في معرض ردود أفعالنا على كل ما هو سلبي من ظواهر مؤسفة، باتت لصيقة بمجتمعاتنا غير الناهضة، من عنف وفساد وظيفي وفقر وبطالة وجريمة واعتداء سافر على الطفولة.

 

نحب أن نصدق بأننا الأفضل والأنقى والأكثر براءة والأنصع بياضا بين شعوب الدنيا، ونطرح أنفسنا في المنابر كأبناء بيئة فاضلة مفلترة من الشوائب، وكأفراد ينتمون إلى مجتمعات تتميز بثقافة بالغة الطهرانية والعفاف والمثالية، خالية من كل آفات العصر وشروره، فليس بيننا من هو منحرف أو قاتل أو لص أو خائن أو مغتصب أو متكسب أو مخادع..؛ كلنا "ما شالله" عبارة عن كائنات مثالية، تعيش في وئام وتصالح، بالغة الطيبة أقرب إلى الملائكة لشدة كمالها، ولا ينقصنا سوى أجنحة كي نرفرف بها هائمين بين الرضا والنور!

 

وكل ما يخصنا كثقافة وسلوك هو فوق النقد، وبالتالي فإن أية ظاهرة سلبية نصطدم بوجودها، مستوردة بالضرورة، ودخيلة علينا وعلى منظومة قيمنا وأعرافنا؛ فنحن الأفضل والأصلح حالا في كل الظروف.

 

والغريب أننا كأمم احترفت الخيبة وراكمت الهزائم المتلاحقة عبر التاريخ، ما تزال تملك الجرأة كي تشعر بالتفوق والتميز عن الآخرين، ولا يختلف حالنا في هذا السياق عن النعامة التي تغطي رأسها في الرمل متوهمة تحقق الأمان.
في حين أن نظرة تتضمن قدرا من الموضوعية، تقودنا إلى الاعتراف بأن كثيرا من تلك الظواهر المؤسفة التي أصبحت واقعا حياتيا مرعبا، هي ليست غزوا ثقافيا دخيلا، اقتحم حصوننا المنيعة وعاث في عقول وضمائر الناس فسادا وتخريبا، بل هي نتاج محلي بحت ببراءة اختراع!

 

من هنا لابد أن نوسع دائرة التأمل، كي نخرج عن الزاوية الضيقة التي ننظر إلى العالم من خلالها، ونكف عن طرح أنفسنا بهذا الشكل الساذج غير الواقعي، ولا بأس من إحداث صدمة أحيانا، وإعادة النظر في طريقة تفكيرنا كي نتنبه لما يدور حولنا، لعلنا نستفيق من خدرنا وأحلامنا الوردية الخادعة.

 

ولعلنا في نهاية المطاف نبلغ درجة من الوعي والنضج الإنساني تؤهلنا مواجهة عيبونا ونقاط ضعفنا وهشاشة تركيبتنا من خلال الاعتراف بها، كي نشفى من تبعاتها، وبالتالي نسمي الأشياء بأسمائها، متخلين على سبيل التغيير، عن هذه الازدواجية وهذه الباطنية التي تتحكم في سلوكياتنا، عندها فقط قد نستطيع التصدي لأمراضنا المستعصية من تراجع أخلاقي وإنساني خطير وطغيان قيم الاستهلاك، وانعدام مظاهر التكافل والتضامن الاجتماعي، وتلاشي مبدأ المحبة من القلوب الآيلة للجفاف والإمعان في الفردية، وتجاهل عذابات الآخرين ومعاناتهم.

 

أمراض اجتماعية خطيرة تفتك بنا تدريجيا، فيما نحن مكتفون بالإنكار والتنكر وسيلة دفاعية بائسة وغير مجدية إزاء سطوع شمس الحقيقة العصية على ثقوب الغربال.
 

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   بسمة النسور