اعتدنا في غابر الأيام، على عادية وبداهة سلوك التدخين، الذي كان ممارسة اجتماعية مقبولة بل ومستحبة، لا ترتب تحفظات من أي نوع، ولا تستجلب شبهة النوايا العدوانية على النفس أو على حق الآخرين في أوكسجين خال من النيكوتين.
كان التدخين هو الأصل في أبجديات التواصل الاجتماعي، حيث كان غير المدخن يشعر بالغربة والحرج لتخلفه عن ركب السائد، وكان عليه أن يعتذر عما لم يفعل، معززا ذلك بتقارير طبية مصدقة حسب الأصول تبريرا لإعاقته في هذا السياق.
واعتبر في وقت من الاوقات الاعتذار عن سيجارة ممدودة تصرفا فظا وغير لائق اجتماعيا حتى لو كان الشخص المدعو الى السيجارة غير مدخن أساسا، فإنه سوف يجد نفسه مضطرا إلى "تنفيخ نفسين" على سبيل المجاملة كي لا يجرح مشاعر المضيف. حتى إن مشهد صينية السجائر بأنواعها المختلفة مجاورة لدلة القهوة بمثابة لازمة أساسية في مفردات الضيافة وأصولها المرعية، ولطالما نظر المجتمع بعين المباركة والإقرار لهذا السلوك الذي لم يكن مؤسفا آنذاك، ولم يستدع بطبيعة الحال أية إدانة أخلاقيه لفعل اعتبر أقل عادية من شربة ماء، خصوصا في البيئات القروية حيث كان تدخين النساء امرا مألوفا للغاية.
وساهمت السينما بوجه خاص في ترويج صورة شديدة الإيجابية فائقة التضليل للمدخنين. فالبطل الشجاع الساحر الفاتن غير المكترث، قاهر الأعداء وملوع قلوب الحسناوات هو بالضرورة مدخن شره تحتل السيجارة زاوية دائمة في فمه فتزيده سحب الدخان المنبعثة سحرا ووسامة. ولا يختلف الأمر بالنسبة لنجمات هوليوود الكلاسيكيات، حيث قاع السيجارة ملطخ على الدوام بأحمر الشفاه القاني.
ساهم ذلك كله في توجيه اللاوعي الجمعي، واستدراج الافراد نحو قبول تلك الصورة، بل والسعي إلى تمثلها والتماهي معها باعتبارها نماذج عليا من حيث ديناميكتها ونجاحها المهني والإنساني الذي يؤهلها لحصد الإعجاب والشهرة الواسعة. ولم تخرج السينما المصرية عن السياق نفسه، فكانت فاتنات الشاشة اللواتي صغن ذائقة أجيال بكاملها من أمثال هند رستم وناديا لطفي من المدخنات النهمات العريقات. وإن ارتبط فعل التدخين بعنصر الشر والغواية، غير أنه لم يتعارض كذلك مع سلوك الشخصيات الإيجابية، وفي الوقت الذي كان فيه محمود المليجي لا يكف عن التدخين خلال تدبيره شؤون العصابة، كان فتى الشاشة الجميل رشدي أباظة معشوق السيدات مدخنا من طراز ثقيل كذلك.
أيا كان الحال فإنه قد تغير وتبدل الحال تدريجيا على مدى السنين وبالتوازي مع تعاظم الوعي بمخاطر التدخين وارتباطه الوثيق بالسرطان.
وحقق الغرب قفزات واسعة في مجال سن القوانين والتشريعات الاحترازية وإيقاع وفرض العقوبات التأديبية الرادعة وفرض القيود الضريبية المعرقلة للتجار بالتبغ، وقد تطرفت بعض الدول في اجتراح طرائق مكافحة التدخين والتضييق على متعاطيه لدرجة اعتبرها البعض مساسا مباشرا بالحرية الشخصية.
ويلمس الزائر الى معظم دول أوروبا وأميركا مدى جدية وفاعلية هذه القوانين في تخفيف الاغراء بالنسبة للصغار.
على صعيد الأردن يمكن القول إننا قطعنا شوطا معقولا، وتبدو الصورة على الورق زاهية ومبشرة من حيث التشريعات والقوانين.
غير أن ما يحدث على ارض الواقع باعث على القلق، لأن هذه القوانين غير مفعلة إلا في حدها الأدنى، وما يزال بإمكان أي صبي ابتياع السجائر من المحلات التجارية. ولا تخلو المرافق العامة والدوائر الحكومية من مشاهد غير حضارية باعثة على الأسى، وتظل الظاهرة الأشد خطورة هي تفشي التدخين بين صفوف الفتيات والشبان ممن لم يتجاوزوا المرحله الثانوية بعد، يقدمون على التدخين كفعل تمرد وتحد غير مدركين أنهم واقعون في شرك عبودية سوف يطول أمدها.
ولكي لا أتورط في خطاب تلقيني لا يخلو من وصاية، أقر وأعترف أن التدخين تجربة شديدة الإغراء بالنسبة للصغار، وقد يبدو أنانيا وغير واقعي كذلك مصادرة حقهم في التجربة التي توفرت لجيلنا، غير أنها تبقى نصيحة المفترض أنها تساوي جملا، وأمنية للجميع بالخلاص من هذه اللعنة وتبعاتها، إذ لن يدرك حجم المصاب بها إلا من حلت عليه نعمة الاستغناء!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد تصنيف :بسمة النسور