لو لم تكن صاحبتنا السيدة الغلباوية، التي تحب عمّان حد الغيرة، حشرية إلى ذلك الحد الذي يغيظ معارفها ويضعها غالبا في دائرة اللوم، لو أنها كانت مثل بقية خلق الله، محايدة مسالمة وفي حالها، لو أنها تؤمن بمبدأ السلامة المتأتي من زج "رأسها بين الرؤوس والمشي الحيط الحيط" شأن السواد الأعظم من الناس.
لو أنها كانت أقل قابلية للاستفزاز، وأكثر قدرة على كتم الغيظ، لما تعرّضت لذلك الموقف غير المريح الذي سبب لها حرجا كبيرا؛ حيث بدتْ للآخرين سيدةً غريبةَ الأطوار تعاني
من أزمة منتصف العمر، غير قادرة على ضبط انفعالاتها، ولربما اعتقد البعض أنها مجنونة لا تدرك آداب المرور.
ولكن لا! السيدة كثيرة الغلبة، تريد أن "تقيم الدين في مالطا"، وتتوهم أحيانا بأنها قادرة رغم موقعها كمواطنة عادية لا تتمتع بأي صفة رسمية على اتخاذ مبادرات غير مألوفة تجلب لها المتاعب في بعض الأحيان، كأن تقرّع أُمّاً غريبة عنها تماما في حديقة عامة بسبب حملها لطفل بطريقة غير آمنة، أو تشي لأقرب رقيب سير عن تجاوز ما ارتكبه سائق مستهتر.
وتسرد صديقتنا آخر ما حدث معها في الأسبوع المنصرم عند إشارة الرابية، التي تشهد ساعات الظهيرة ازدحاما شديد الكثافة، تضطر السواقين للتوقف مدة طويلة. كانت متوقفة بأمان الله ضمن رتل السيارات المنصاعة للإشارة الحمراء، حين لاحظت نافذة السيارة الخصوصي الفارهة التي تقف في المقدمة، وقد قرر صاحبها وبدم بارد وتحد سافر واستهتار بالغ وانتهاك جسيم، تزجية الوقت بالتخلص من الأوساخ في سيارته وإلقائها في الشارع وعلى عينيك يا تاجر!
بدأ الدم يغلي في عروقها، حاولت لجم غضبها الذي استشاط، تطلعت حولها باستغاثة على أمل مرور دورية ستكون كفيلة بردع ذلك المعتدي، حدقت ببقية السائقين محرضة إياهم على التصدي لذلك العدوان، غير أن أحدا من المتواجدين سواء من السواقين أو المارة لم يبد أي شكل من أشكال الاكتراث أو المساندة، فترجلت من السيارة وتوجهت حيث السائق منهمكا في إلقاء علب العصير الفارغة وأكياس الشيبس والمناديل الورقية، نقرت على النافذة باحتجاج ووجهت له عبارة شديدة القسوة، تطرقت فيها إلى عرق عمال الوطن
المبذول على الطريق، وذكرته بانتشارهم البرتقالي البهي الذي يكرّس عمّاننا كواحدة من أكثر مدن العالم نظافة.
وتقول السيدة إن الرجل لم يكن شابا طائشا، سرق مفتاح
سيارة البابا وخرج مستعرضا أمام الأصدقاء، بل إن نوعية الأوساخ التي ألقاها، تؤكد أنه رب عائلة كان الله في عونها على مَثل ليس أعلى بكل المقاييس!
قال لها محتدا: "ليش الشارع كاين لأبوك، إنتي شو دخلك" وأغلق النافذة بعصبية، ولم يتح لها فرصة لتبارك له بملكيته للشارع!
في تلك اللحظة بالذات أضيئت الإشارة الخضراء، فانطلق وابل من الزوامير الغاضبة المحتجة على السيدة الحشرية التي عرقلت حركة المرور، وتسببت في تأخرهم عن الغداء دقائق معدودات!
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد بسمة النسور العلوم الاجتماعية