يعد قرارمقاطعة السلع باهظة الثمن، سلوكا مدنيا شديد الحضارية، ووسيلة بالغة التأثير، وهي من أهم أشكال التعبير بلاغة، كونها تتخطى منطقة سحر البيان، وإطلاق شعارات مدوّية تموت بأرضها، فينحصر أثرها النفسي في إطلاق شحنة الغضب والتنفيس عنها لفظيا، كي تدخل الفكرة في نطاق العملية والتطبيق الفعلي لمبدأ الاكتراث بالقضايا العامة، وفي العادة يحقق الأسلوب الاحتجاجي المتمدن نتائج باهرة، في حال توفر التضامن المطلوب بين المواطنين.
من هنا تأتي الحاجة إلى الوقوف بقوة، مع جهود جمعية حماية المستهلك، التي أخذت على عاتقها ومنذ نشوئها عبء توعية المواطنين وحمايتهم من كافة أشكال الاستغلال، وكبح اندفاعهم الاستهلاكي غير الرشيد، هذه الجمعية التي نفرح بأنها محلية المنشأ، نظيفة الأهداف.
وفي حين تحظى منظمات أخرى، غامضة التمويل والارتباط، هامشية الأغراض، محدودة التأثير، بدعم دولي كبير، فإن جمعية حماية المستهلك الأردنية غير مدعومة إلا بالانحياز المطلق للجياع، غير مرتبطة إلا بأوجاع الوطن والمواطن ، وهي المتصدية بقوة لمحاولات الاستحواذ، التي يقدم عليها حيتان السوق بغية الالتفاف على عرق الغلابى!
من هنا فإن المطلوب منا كمجني علينا بالجملة، الوقوف بقوة إلى جانب هذه الجمعية، كونها على تماس مباشر مع مصلحة المستهلك، وهو الطرف الأضعف في معادلة السوق غير الرحيمة، وهي بهذا المعنى أهم منظمة غير حكومية في الأردن، وفقا للزميل باترو ردم، كما أورد في مقالة له حملت هذا العنوان، لا بد من الاستمرار في حملة مقاطعة اللحوم البلدية الحمراء، وسائر السلع غير منطقية الأسعار، والمضي قدماً في العصيان البروتيني إلى أجل غير مسمى.
إنها لحملة جسورة نبيلة، لا سيما في توقيت عصيب كهذا، ارتبط ببداية الشهر الفضيل، الذي يتنامى فيه السلوك الاستهلاكي غير الرشيد.
وأبدى العديد من الفقراء الذين فاضوا عن الجيوب، سخرية سوداء مريرة، إزاء الإعلان عن حملة كهذه، لأنها حاصلة حكما، ليس بفعل وعي استهلاكي متقدم، بل تحت عنوان موجع هو الحرمان ليس إلا!.
ولا بد كذلك من الاعتراف بصعوبة المهمة الملقاة على الجمعية، بالنظر إلى طبيعة التقاليد الغذائية لدينا كشعب لاحم، يكن للحوم الحمراء كثيرة الدهن تقديرا خاصا، حتى أنها تعد معيارا اجتماعيا أساسيا مرتبطا بالتعبير عن الحفاوة والكرم والتميز الطبقي بالنتيجة؛ كل ذلك بالرغم من المحاذير الصحية الجسيمة المترتبة على الإكثار منها.
لا أقترح على المواطنين التحول إلى نباتيين بالمطلق، فهذا أمر يفوق طاقتنا كأبناء ثقافة رعوية، ولكن أدعو إلى التصدي كمتضررين لهذا الفحش في الأسعار الذي بلغته اللحوم البلدية وغيرها من السلع الغذائية، وإلى التمسك بخيار المقاطعة، إلى أن يؤوب كبار مربي المواشي وكل المتحكمين برزق العباد إلى رشدهم، ويرضخوا إلى إرادة المستهلكين العادلة، ولا ضير من اجتراح بدائل لا تشكل سطواً مسلحا بالجشع على جيب المواطن.
وقبل كل شيء لماذا لا نتخفف من بعض مفردات ثقافتنا الاستهلاكية بالغة الضرر، ولماذا لانقف إلى جانب هذه الجمعية الرائدة، وندعمها بكل الوسائل المتاحة.
ولعل التقدم الفوري بطلب عضوية فيها، ودفع رسم الاشتراك البالغ ستة دنانير لا غير، بات التزاما أخلاقيا على كل منا، سعيا إلى تحقيق مبدأ الأمن الاجتماعي الذي نصبو إليه جميعا، كما أنه ممارسة لواجب المواطنة بأرقى صورها الممكنة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد تصنيف :بسمة النسور