يعتبرها الاختصاصيون النفسانيون أحاسيس طبيعية، تعترينا جميعا، كونها تدخل ضمن تركيبة النفس البشرية القائمة على التعقيد والغموض من حيث المبدأ، ويؤكدون أنها ليست مؤذية في كل الأحوال، بل يرون أنها ضرورية بمقدار، لغايات تحفيز الطموح في النفس وتأجيج الرغبة في إحراز التقدم والنجاح، طالما ظلت تحت السيطرة ، بمعنى أنها لم تمتلك منا الجوارح ولم تتحول إلى هاجس يقض المضاجع، ويجعل منا أشخاصا بغيضين، مسكونين بهواجس الحقد والحسد والضغينة، ما يفسد ويشوه علاقتنا بالآخرين، ويحرمنا من حلاوة الإحساس بالقناعة والقبول والرضا عن الذات، التي تفضي حكما إلى راحة البال.

 

وتتفاوت مشاعر الغيرة في أنواعها وحدّتها من شخص إلى آخر، وقد تتحول إذا زادت عن الحد، سيما في العلاقات العاطفية، إلى شكل بائس من أشكال الأنانية والتملك والتعدي على خصوصية الطرف الآخر بذريعة الحب والاكتراث، وغالبا ما يقع الشخص مفرط الغيرة فريسة سهلة في أنياب الشك والريبة، تدفعه في أحيان كثيرة إلى ارتكاب تصرفات لا تخلو من طيش ورعونة قد تصل في تطرفها إلى حد ارتكاب اعنف الجرائم.

 

وكما هو معروف، فإن سجل البشرية، ومنذ قابيل وهابيل، حافل بالكثير من الجرائم البشعة التي ارتكبها أشخاص تحت تأثير مشاعر الغيرة المدمرة، التي تؤدي بالضرورة إلى الغضب الشديد، والرغبة في الانتقام، ما يجعل المرء فاقدا القدرة على الإدراك والتمييز والتصرف المنطقي السليم.

 

ويذهب البعض إلى أن النساء أكثر عرضة للغيرة من الرجال. قد يبدو ذلك منطقيا، نظرا لطبيعة المرأة المرهفة والحساسة، غير أن الدراسات العديدة في هذا السياق أظهرت أن الرجال لا يقلون غيرة عن النساء، الفارق الوحيد أن المرأة في العادة أكثر براعة من الرجل في التعبير عن مشاعرها من دون ادعاء أو مكابرة، وهذه - كما أرى - واحدة من مظاهر القوة والصحة النفسية التي تسجل لصالح المرأة؛ في حين يلجأ معظم الرجال في هذا السياق  إلى الإنكار وادعاء الخلو التام من مشاعر الغيرة التي يصفونها بالسخيفة، من منطلق أنهم أكثر قوة  وحكمة واتزانا، ويعزون ذلك لتماسكهم النفسي ورباطة جأشهم، وكذلك لشدة ثقتهم بأنفسهم، التي  تحصنهم من القلق أو الشعور بالتهديد  إزاء انجازات الآخرين. غير أن البعض ممن يمكن اعتبارهم أكثر تصالحا مع ذاتهم، لا يجد حرجا في الاعتراف بتلك المشاعر، باعتبارها مسألة غريزية بحتة.

 

أيا كان الأمر، فإن الغيرة واحدة من حقائق الحياة التي ينبغي التعامل مع أعراضها بشيئ من الموضوعية والتفهم، في معزل عن أية أحكام أخلاقية جاهزة. ويبقى الخيار المطروح أمام الشخص الغيور هو الإقرار بالحالة كخطوة أولى للتخفف من توابعها من مشاعر سلبية تتمكن من النفس فتعطل طاقاتها الايجابية وتضعها في أسر المقارنة العقيمة ومقت الذات، علاوة على الإحساس بالدونية والرغبة  في إلحاق الأذى بمن هم ا كثر نجاحا وتمييزا. لكن ذلك، لشديد الأسف، لا يحدث إلا في المسلسلات بإيعاز من المخرج، حين يصل الصراع إلى ذروته الدرامية، ويتجه نحو الحلول السحرية التي تفوح برشوة مزاج المتفرجين في الحلقة الأخيرة. ذلك أن لا احد من هؤلاء في الواقع يرغب في اعتراف تطهري كهذا، وعوضا عن العمل باجتهاد على تطوير إمكانات الذات لتحقيق خطوات باتجاه الأمام، ينهمك الشخص المبتلى بنار الغيرة في دوامة من السواد من شأنها تكبيله بطاقة سلبية لن تؤدي به إلا إلى مزيد من الفشل والتراجع.

 

ومن الطبيعي أن يستثير نموذج إنساني كهذا غضب الآخرين، غير أنه يستدعي الرثاء بمقدار اكبر.
 

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   بسمة النسور