أصبح الوقوف على أطلال الدراما الأردنية والتغني بأمجادها الغابرة ضربا من العبث لن يفضي إلى أي خطوة باتجاه الإمام، على العكس تماما فإنه يكرس حالة المراوحة التي آلت إليها في الأعوام الأخيرة.
والسؤال الذي ينبغي طرحه في هذا السياق هو: من يتحمل وزر إجهاض الحلم بدراما أردنية راقية ومثقفة وإنسانية ومعاصرة، قادرة على بسط تأثيرها على شاشات الوطن العربي كما جرى ذات زمان بهيّ.
لا يمكن بأي حال إعفاء أي من الجهات الرسمية والخاصة، ونقابة الفنانين، والعاملين بالشأن الدرامي كافة من خطيئة تفرق دماء الدراما الأردنية بين القبائل، فيما نحن نتفرج على الحلم يذهب هباءً.
من هنا نحن مطالبون باستثمار كل الطاقات الممكنة للعناية الجادة والحثيثة بالثقافة والفنون باعتبارها روافع أساسية في نهضة أي أمة. ولا يمكن لأحد الاستهانة بالدور الخطير الذي تلعبه الدراما التلفزيونية في هذا السياق، كونها الوسيلة الأكثر تأثيرا والأسرع وصولا.
ولن يتأتى للدراما المحلية النهوض من كبوتها، إلا من خلال تبني خطة إنتاج وطنية تحمل على عاتقها نقل مفردات الثقافة الأردنية المعاصرة، ضمن رؤية ترصد الواقع وتعكس تحولات المجتمع والعلاقات المركبة التي تمليها طبيعة المدينة، والخروج من المأزق الفلكلوري الساذج الذي اختصر ثقافتنا بخيمة وشيخ قبيلة طويلة عريضة، لم يرزق من العيال لاعتبارات إنتاجية بحتة سوى بصبية كحيلة العينين لا تخلو من بلاهة! وظيفتها الوحيدة في الحياة ورود العين برفقة بنات القبيلة والتواري بخفر خلف الخباء بانتظار فارس مغوار يخطب ودها ويلاحق في الوقت ذاته ثأرا ما، ضمن فضاء لا يخلو من مكائد ودسائس.
يحدث كل ذلك "التخبيص" في الوقت الذي يشهد تألق وحيوية الدراما السورية التي اكتسحت بجدارة سوق الإنتاج التلفزيوني وتمكنت من فرض نفسها بقوة الإبداع، كضيف مرغوب دائم الحضور في بيوت الوطن العربي ، من خلال أعمال جادة رفيعة المستوى استحوذت على جمهور عريض يتابع بشغف تلك الإنجازات ويتعرف عن كثب على خصوصية المكان السوري بتفاصيله الحميمة، وقد أحب اللهجة الشامية وأصبحت مألوفة لديه، بسبب من الحضور الكثيف لفناني سورية ممن حققوا شعبية واسعة، بمواهبهم المعززة بالثقافة الواسعة.
المفارقة أن هؤلاء الأشقاء الذين يعانون محاولات إقصاء في عواصم فنية كبرى، يمارسون في الوقت ذاته اقصاء مماثلا لنجوم الأردن الكبار ممن لهم بصمتهم الإبداعية ومنجزهم الكبير من وزن محمد القباني وجميل عواد وزهير النوباني ومحمد العبادي وجولييت عواد ونادرة عمران وغيرهم الكثير، لاحظنا ذلك في عدة مسلسلات سورية عديدة تستدعي بالضرورة حضور شخصيات تتقن اللهجة البدوية أو اللهجة الفلسطينية، وعوضا عن الاستعانة بممثلين من الأردن فإنهم يبذلون جهدا في التدرب على اللهجة ورغم براعة التمثيل التي لا يمكن إنكارها غير أنهم غالبا ما يخفقون في هذه النقطة، كما حدث في المسلسل المتميز سحابة صيف حيث قدم الفنان الفذ بسام كوسا شخصية لاجئ فلسطيني، ورغم العبقرية التي ميزت أداءه إلا انه لم يكن مقنعا تماما بسبب عثرة اللهجة.
ولا نذيع سرا حين نقول إن كبرى شركات الإنتاج المحلية تتكئ بالمطلق على نجومية الفنانين السوريين ممثلين ومخرجين وكتاب سيناريو وتمنحهم مساحة تعبير واسعة في حين تضن على زملائهم الأردنيين بفرص مماثلة، إضافة إلى التمييز في الأجر والمعاملة، لأنهم من حواضر البيت!!
لكل ما تقدم من "بلاوي" علينا أن نعترف أن الواقع الراهن يبعث على الأسى والخيبة وعلينا كذلك أن نكف عن مقولة إننا كنا الأبرز والأهم في حقل الدراما لأننا ببساطة لم نعد كذلك!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد تصنيف :بسمة النسور