رغم المشترَكات الكثيرة من خلفيات ثقافية وتاريخ وجغرافيا وبيئة ومعتقد ولغة وملامح وجينات، غير أن حساسيات البشر وطرائق تعاطيهم مع تفاصيل الحياة وردود أفعالهم على مستجداتها ووسائل تعبيرهم عن ذواتهم وكيفية تصرفهم في الأحداث المفصلية من مناسبات فرح وحزن، وطريقة إدارتهم للأزمات، تختلف بشكل كبير بين فرد وآخر، حتى لو كانوا نزلاء البطن ذاته، وهو بستان كما يقول المثل الشعبي، مختصرا ببلاغة فكرة الخصوصية الفردية. هذه مسألة بديهية لا تحتمل الجدل، فلكل شخص بصمته الروحية وهي تخصه وحده، وسوف تلازمه طوال حياته مهما تطورت شخصيته أو تعرضت لتأثيرات مختلفة، كما يذهب خبراء علم النفس إلى أن ملامح الشخصية الأساسية تتحدد منذ سن السادسة، ما يعني ذلك أنه ومنذ مرحلة مبكرة جدا، يمتلك كل منا مزاجه الخاص وطباعه ودرجة حساسيته وميوله وعاداته وطريقته في الانفعال والتفاعل، وذلك ما يميزه عن الآخرين وما يمنح شخصيته تفردها وعلامتها الفارقة.
من هنا تبدو العلاقات الإنسانية على اختلاف مسمياتها منطقة شائكة عصية على التفسير؛ لأنها مبنية على التناقضات، إذا سلمنا حين الغوص على مستوى أعمق في عالم النفس البشرية بالغة الغموض والتعقيد، أن مبدأ التشابه بين الأفراد غير موجود على أرض الواقع، قد تبدو لوهلة حالة التشابه بين البشر مريحة وتكاد تخلو من المتاعب، غير أنها تنطوي على ملل ورتابة لافتقارها عناصر التشويق والدهشة والمفاجأة التي تمنح العلاقة الإنسانية معناها.
ليس من السهل الخوض في مواصفات ومقاييس أي علاقة، سواء كانت علاقة حب أو صداقة أو زمالة أو حتى أخوة، ولا يمكن بأي حال اقتراح مجموعة أنظمة وقوانين محددة لكيفية إدارتها، لأنها قائمة على التضاد من حيث المبدأ.
تشهد البيوت حالات صعبة، حيث تتضارب الأمزجة بين أفراد العائلة، فيتنافر الأخوة لاسيّما المراهقون منهم بشكل دائم، وغالبا ما يعاني الآباء من مشاجرات لا تنتهي غالبا ما تكون أسبابها سخيفة، من وجهة نظر الآباء ومصيرية من وجهة نظر أبنائهم. وفي مواقع العمل لا يختلف الأمر كثيرا، إذ يتنافر الزملاء فيما بينهم ودائما ثمة من يسرق جهد الآخرين ويجيره لنفسه، فيكرهه الجميع. وهناك من يعاني من الاضطهاد وهو دائم الشكوى والتظلم من تحيز المسؤول، حتى على صعيد الصداقات ذات الطابع الاختياري الطوعي، فإنها تتعرض أحيانا لانتكاسات وإخفاقات، ولا ينجو حتى المحبون من أعراض التنافر والتناقض كذلك.
وهناك النموذج المبالغ في إقباله على الحياة، فيفرض نفسه على الآخرين مقتحما خصوصياتهم غير عابئ برغبتهم في الصمت والعزلة، وبعدم امتلاكهم الحماسة ذاتها لتوسيع دائرة علاقاتهم الاجتماعية، لأنه عاجز عن قبول فكرة أن البعض لا يرغب في صداقته، هكذا من دون إبداء أسباب. ثمة نموذج أكثر صفاقة لمتطفلين إلكترونيين، هؤلاء لا يتوانون عن غزو بريدك الإلكتروني عنوة محاولين فرض صداقتهم من طرف واحد بقوة التكنولوجيا!
لا توجد وصفة سحرية يمكن للجميع اتباعها للحفاظ على علاقات إنسانية متوازنة، يتوفر فيها شرط الندية والتواصل الحقيقي، تحفظ للشخص كرامته وتحافظ على خصوصية الآخرين. على كل منا التوصل إلى وصفته الخاصة، فيقبل على العلاقة بأناقة واحترام، أو يدرك بحساسية أنه شخص غير مرغوب به، فينسحب بكبرياء ملتزما حدود المساحة النفسية التي يريدها الطرف الآخر كحق إنساني طبيعي لا يحتمل المساومة!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد تصنيف :بسمة النسور