من أهم الأسباب التي تجعل الحوار في عالمنا العربي أشبه بحوار الطرشان هو التمسك الدائم بالموقف المسبق وعدم وجود نية لتعديل الرأي بناء على أية مستجدات قد يحصل عليها صاحب الرأي تتطلب التغيير. كيف يمكن لأي حوار أن يكون مفيدا في حال كان الطرفان غير مستعدين للتنازل عن اي موقف ويعتبران أن التمسك بالرأي هو قمة البطولة وأن تغيير القناعات يعتبر إما خيانة للمواقف أو انتهازية للحصول على مكاسب.

مسيرة التاريخ نحو الأمام كانت دائما مبنية على تغيير الآراء استجابة للمستجدات والتعايش معها وكل الأمم والأفراد الذين تمكنوا من التغيير المفيد استمروا في النجاح بينما انقرض المتمسكون بما هو قديم. في الأردن نحن نعاني من نفس الحالة حيث لا يمكن السماح أو القبول من اي أحد تغيير موقفه لاسباب موضوعية ودائما ما يتهم الشخص الذي يغير موقفه بعدة تهم. السياسي الحكومي الذي تحول إلى صفوف المعارضة هو باحث عن المكاسب الشعبية، والمعارض الذي يدخل الحكومة يصبح انتهازيا والشخص الفني الذي كان يعمل في هيئة ما ثم رأي ما هو خطأ وغير موقفه يصبح في نظر الجميع متراجعا ومنافقا ويريد تصفية الحسابات. لحسن الحظ أن الكثيرين ممن غيروا معتقداتهم وآرائهم وصنعوا إبداعا حقيقيا بهذا التغيير لم يكونوا في الأردن وإلا تم لصق كافة الاتهامات بهم.

لو بقي مصطفى محمود ملحدا لما أنتج أفضل أعماله التلفزيونية والكتابية حول علاقة العلم بالدين، ولو بقي جوزيف ستغلتز مؤمنا برأسمال السوق المفتوح عندما كان كبير اقتصاديي البنك الدولي لما أظهر أهم “خيبات العولمة ومساوئها” على الناس العاديين. لو استمع بشار الأسد لأصوات الناس المطالبين بالحرية لما سال حمام الدم في الشام ولو استمعت القيادات العربية لحكمة الملك الحسين في أزمة احتلال العراق للكويت لما حدثت مصيبة الغزو. ليس من البطولة دائما التمسك بالآراء وأحيانا يكون على الشخص أن يتحلى بالجرأة لمعرفة أنه بحاجة إلى تغيير في الموقف.

هذا التغيير بالطبع يجب أن يكون موضوعيا وليس انتهازيا بحثا عن مكاسب آنية أو حتى رضوخا لتهديدات وضغوطات. مشكلتنا في الأردن أن كثيرا من حالات التغيير في المواقف كانت حادة وسريعة وارتبطت بمكاسب، والأسوأ انها تنتقل إلى النقيض فور انتهاء المكاسب وخاصة في قضايا الموالاة والمعارضة السياسية. هذه الحالات التي يعرفها المواطن تجعله يعزز من قناعته بأن “التمسك بالمواقف” هو التوجه الصحيح في الحوار السياسي ولكن في العمل السياسي الوطني والذي يضم عدة آراء وتوجهات لا مناص إلا بالوصول إلى التوافق.

تمسكت الدولة برأيها وتمسك الأخوان المسلمين بموقفهم وتمسك الحراك بمطالبه وتمسك الجميع بمواقفهم المسبقة منذ سنتين، فكيف سنصل إلى نقطة توافق في يوم ما؟


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور