تبدع أوبرا وينفري على نحو خاص في حلقات موسمها التلفزيوني الختامي الذي يبث حاليا على قناة "mbc"، وسوف يسدل هذا الموسم الاستثنائي الستار عن قصة نجاح باهرة وعصية على التصديق لفتاة عادية سوداء متواضعة الجمال، لأسرة ممزقة تنحدر من طبقة بالغة الفقر كانت تميل إلى السمنة وتعاني من الحرمان العاطفي، كونها وبحسب سيرتها ضحية طفولة معذبة تعرضت للاستغلال الجنسي، وعانت من مشاكل تتعلق بالثقة بالذات والتصالح معها.
لم يكن ذلك سهلا بطبيعة الحال ضمن تلك البيئة القاسية في ظل ثقافة عنصرية لم تمنح أبناء جلدتها سوى الاحتقار والعداء والفرص الضئيلة في أدنى السلم الاجتماعي آنذاك، ومع ذلك تمكنت بفضل عنادها وشجاعتها وعملها الدؤوب على تطوير ذاتها وطموحها الذي لم يتوقف عند حد، إضافة إلى موهبتها الفطرية التي أهلتها لتصبح الإعلامية الأكثر مشاهدة في القارة الأميركية وفي العديد من العواصم في أنحاء العالم كافة.
وضعت أوبرا بمثابرتها ودأبها وجدية مشروعها اسمها في صدارة سجل مشاهير التاريخ، وهي امرأة بالغة الحساسية والذكاء والحيوية وسرعة البديهة، وخفة الظل وتنوع الاهتمامات والتعاطف مع مآسي البشر والرغبة في العطاء، والأهم من ذلك كله مقدار العفوية والبساطة في شخصيتها التي لم يزدها الثراء والشهرة إلا تواضعا وإنسانية.
وتبرع وينفري كعادتها في اختيار المواضيع الإشكالية المتنوعة المثيرة للجدل، واقتناص القصص الإنسانية المؤثرة وتقديم يد العون والمساندة المادية والمعنوية للكثيرين، إضافة إلى الانتقاء الذكي والمدروس لضيوف حلقاتها المتميزين من نجوم الفن والإعلام والكتابة، مع تركيزها على قضايا نسوية هي دائما في سلم أولوياتها، وقد دام برنامجها الحواري التلفزيوني 25 عاما من النجاح المتصاعد، لم يعتره الترهل أو التكرار بل كانت قادرة دائما على الإتيان بكل ما هو جديد ومفاجئ لجمهورها العريض. غير أنها اتخذت قرارا شجاعا وحكيما وطوعيا بالتنحي عن الشاشة وهي في عز الألق والتحقق حيث ما يزال برنامجها يسجل بأعلى نسب مشاهدة وفق استطلاعات الرأي، وهي الوجه التلفزيوني الأكثر نجاحا وشهرة وهي كذلك صاحبة الشخصية القوية المؤثرة، وقد صنفت كرابع أقوى شخصية نسائية في العالم، ومن أتيح له متابعة بعض حلقات الموسم الختامي لاحظ من دون شك ملامح التوتر الجميل الذي يزيد حضورها جمالا وتأثيرا، وذلك الحزن النبيل والكبرياء الأنثوي البليغ الذي يطغى على مشاعر أي امرأة حقيقية، لحظة تخليها بفروسية وعزة نفس وشموخ روح حرة، عن حب عمرها خشية عليه من اعتياد الأشياء!
هي لحظة رغم ضرورتها الإنسانية فإنها تبعث على الأسى في كل الأحوال؛ لأن الفراق مؤلم مهما بدت أسبابه منطقية، الأمهات بالذات يدركن هذا المعنى، وهن يطلقن صغارهن في دروب الحياة يحبسن الدمعة في العين، ويقمن إلى الأبد في القلق والأسى جراء فراغ العش الذي احتشد طويلا كما الحياة ذاتها بالصخب والفوضى.
وتكاد تلمح كل تلك الانفعالات المتضاربة في ملامح (الليدي أو) كما يحلو لمعجبيها أن ينادوها وهي تأخذ برنامجها الأكثر شعبية في الكرة الأرضية نحو نهايته، بحزم المايسترو المرهف المدرك أهمية لحظة الذروة في أي عمل إبداعي، فيتوقف عن الجمال بغتة، فيما الجمهور ما يزال متعطشا للمزيد.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   تصنيف :بسمة النسور