في الأشهر الأولى من الربيع العربي كانت الصورة العامة رومانسية حالمة. شعوب تنهض من غفوتها لتطالب بالحرية والمساواة وإسقاط الطغاة ومحاربة الفساد والمشاركة في صناعة السياسات العامة والمطالبة بالمحاسبة والإدارة الناجحة للدول. من بين ثنايا هذه الصورة الرومانسية كانت تختبئ الأجندات المختلفة للتنظيمات الإسلامية واليسارية والقومية وبقايا (فلول) الانظمة السابقة ولكن بشكل عام كانت الكلفة البشرية وحتى الاقتصادية في الأشهر الأولى وبخاصة في تونس ومصر تستحق ثمن التغيير الجذري الذي حدث. الآن وبعد مضي سنة ونصف السنة على الربيع العربي في تونس ومصر وانتخاب رؤساء جمهوريات جدد وحكومات جديدة لا زالت الإدارة العامة متعثرة وهنالك تراجع في مستويات الأمن وتراجع في الاقتصاد، ولا أحد يعرف ما هي نهاية هذا المسار.

في اليمن كانت الكلفة البشرية والاقتصادية هائلة لتغيير الرئيس العنيد. قيل الكثير في ذم علي عبد الله صالح ولكن بعض المحللين اليمنيين من أصحاب العقول الهادئة اشاروا بأنه لو تنحى صالح مبكرا في ظل فراغ في تسليم السلطة لانهارت اليمن في خضم حرب أهلية وصراعات طائفية وقبلية وعشائرية وزادت قوة التيارات الانفصالية والإرهابية. لكن لا توجد في الأفق حلول لأزمات اليمن المزمنة مثل الفقر وانتشار الأمية وشح المياه واستهلاك القات وانتشار الفكر المتطرف والتيارات الانفصالية. كل أزمات اليمن لا زالت مفتوحة بالرغم من أن فترة الربيع العربي منحت مستويات عالية جدا من الثقة للشعب اليمني في قدرته على التغيير.

في ليبيا كان هنالك مليون سبب لإزاحة النظام المتحجر الخارج عن كل سياق الحضارة والتطور، ولكن الكلفة كانت عالية جدا سواء البشرية أم الاقتصادية. ليبيا بلد يملك الكثير من الطاقة الكامنة ويمكنه أن يبدأ البناء من جديد بالرغم من الكلفة الباهظة ولكن هنالك حاجة ماسة للأمن وانتهاء فوضى السلاح وطغيان الانتماءات للمدن والحواضر والأقاليم على الانتماءات الوطنية.

في سوريا الوضع كارثي بكل معنى الكلمة. بسبب عناد نظام مجرم يرفض التخلي عن السلطة تم تدمير دولة بكافة مقوماتها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية. حياة الغالبية العظمى من المواطنين السوريين تغيرت وربما إلى الأبد وذهب تماما مفهوم الأمن أو المستقبل حيث يعيش الجميع يوما بيوم دون معرفة لمصير الساعات القادمة وسط هذه الفوضى وبحر الدماء وانهيار سبل المعيشة والبقاء. في كل يوم تنزف سوريا أكثر وتتكون بحار من الدم تصنع حواجز هائلة من الصعب عبورها في المستقبل. في كل يوم هنالك زرع لبذور دمار جديد ما لم يحدث تغيير سريع وجذري في الإطاحة بالنظام وتأمين طريقة سلمية لانتقال السلطة وانتهاء هذه الكارثة.

في دراسة نشرتها مجلة فورين بوليسي في شهر نيسان الماضي بلغت كلفة “الربيع العربي” اقتصاديا 55 مليار دولار خسائر اقتصادية للدول التي مرت بها، وبالطبع فإن الكلفة البشرية أعلى بكثير وخاصة في سوريا ومن المعيب حتى مجرد التفكير برقم مالي لتقييمها. هل هذا ثمن الحرية؟ هل تستحق الحالات التي وصلت إليها الدول العربية كل هذه الكلفة؟

ربما من المبكر جدا الإجابة عن ذلك. إذا تمكنت تونس ومصر من السيطرة على الانفلات الامني وتحقيق إدارة ناجحة للدولة واستعادة النشاط السياحي ربما تكون دورة الربيع العربي قد وصلت إلى نتيجة منطقية. لو تمكنت ليبيا من النهوض وبناء دولة لا مجموعة من المدن والميليشيات وحققت طاقتها الكامنة ستنجح، ولو تمكن اليمن من حل نصف مشاكله المزمنة سيكون الثمن مستحقا. ولكن في سوريا لا يزال المشوار طويلا.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور