عن (روان بركات)
تدفق صوتها عذبا أثناء حوار شيق في برنامج أصحاب التحدي، الذي تبثه إذاعة الجامعة الأردنية من إعداد وتقديم أشرف أباظة، يتناول البرنامج ذو الفكرة النبيلة في كل حلقة قصة نجاح لأشخاص تحدوا أشكال الإعاقة الحركية كافة، وحققوا تميزا وأحدثوا اختلافا في مجتمعهم. لم يتسع وقت الحلقة المخصصة لروان بركات -العشرينية المحرومة من نعمة البصر- لاحتواء ذلك التدفق الإنساني الحميم النابع من روحها المتقدة حماسا وشغفا، وقد وعد أشرف أباظة مستمعيه باستكمال الحوار في حلقة ثانية. تحدثت روان بعفوية وحميمية وطلاقة عن أحلامها وطموحاتها وخططها للمستقبل، وهي المبدعة الحاصلة على بكالوريوس في الفنون المسرحية والطامحة إلى الحصول على شهادة الماجستير في الإعلام، تقول روان إن الحاجة تدفعنا باتجاه الحلم، وقد حلمت صاحبتنا (برنين)، وهو بالمناسبة اسم فائق الذكاء يعبر عن الفكرة بقوة، لمؤسسة غير ربحية قامت بفضل إصرارها وقوة شخصيتها واعتناقها المخلص للفكرة المدهشة، إضافة إلى اتحاد قوى خير تمثل جهات عديدة آمنت بحلم روان الشجاع وحولته إلى حقيقة مفرحة ساطعة، تثبت جدوى التشبث بالأمل. وتحرض ذوي القلوب الواهنة على رتق أوجاعهم وعدم التخلي عن الحلم مهما بدا مستحيلا.
لاحظت بركات خلو السوق الأردني من الكتب الخاصة بالمكفوفين، واشتغلت بدأب نحلة متمسكة برحيق زهر الحياة، رغم أنف الأشواك التي يفرضها الواقع، وعملت بإرادة من حديد على توفير حل جذري يعوض هذا النقص الفادح، ولشديد الأسف، فإن معظم المجتمعات العربية لا تبدي اكتراثا جديا بهذه الشريحة من أبنائها، المحرومة من ممارسة حياتها بشكل طبيعي، ولا تكفل التشريعات والقوانين حقوقها الكاملة في حياة كريمة، تتيح لأفرادها فرص العمل والتفوق والإبداع، والحق أننا ما نزال بحاجة إلى تغيير فعلي في مفاهيمنا المجحفة حول أصحاب الإعاقات، ومن حقهم علينا أن نكف ابتداء عن إبداء الشفقة حيالهم، وعن إشاحة وجهنا بعيدا عن رؤية أي صاحب إعاقة، حماية لأنفسنا من مشاعر التكدر مكتفين بالقول "اللهم عافِنا"!
كما نحرص في المنابر الموسمية على التركيز على ضرورة الاعتناء بهم، وتوفير الوسائل كلها لتذليل الصعوبات التي تواجههم، باعتبارهم أفرادا فاعلين مؤثرين، ونحن ندرك جيدا أن الواقع المتعلق بهم أكثر قتامة وقسوة  في ظل مجتمعات أنانية، تزدري ضعفهم الجسدي، ولا تعمل بأي شكل على احتوائهم، كأشخاص قادرين على الإنتاج، ولا تعترف بهم إلا بصفتهم متسولين على أبواب المساجد وعند الإشارات الضوئية، وفي ردهات المؤسسات الخيرية، وهذا ما يحدث في أحوال كثيرة، إذ لا يجد بعضهم سبيلا آخر سوى الاتكاء على إعاقاتهم، مستدرين الشفقة والعطف وحاجة الناس إلى دفع البلاء عن أنفسهم من خلال التصدق، فيترسخ ذلك الوضع المعيشي المهين أكثر في ظل ظروف الفقر والجهل والإهمال.
وحرصا من روان على الحيلولة دون تفشي ظلمة الجهل، تبعت حلمها حتى نهايته مستثمرة مأساتها الخاصة حين أصيبت والدتها بسرطان الحنجرة، فاختفى صوتها كليا وكفت عن سرد القصص على مسمع صغيرتها الكفيفة، وكي لا تغرق وأقرانها تماما في الصمت والانكفاء، أسست أول مكتبة صوتية توفر القصص مسموعة دراميا للأطفال حتى سن السادسة عشرة. وتمكنت من إصدار ثلاث مجموعات قصصية على أقراص مدمجة مقروءة بلغة عربية فصحى من شأنها تقوية مهارات الاستماع والتأمل والتفاعل والتقييم والتفاعل، وصولا إلى المعرفة كحق إنساني مشروع. حصلت مؤسسة "رنين" التي تقودها روان بركات بكل اقتدار وكفاءة على جائزة الملك عبدالله للتفوق الشبابي، واستثمرت قيمة الجائزة المالية في تعزيز مشروعها الاستثنائي. لتصبح قصة نجاح جديرة بالدعم والمؤازرة، ويا روان بركات أيتها الجميلة بين الصبايا: إزاء هذا الدرس البليغ في كيفية الحياة، سيظل الكلام قاصرا عن الارتقاء إلى مستوى روحك الشاهقة، سلام عليك، وليستمر الرنين مدويا في مواجهة العتمة.
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   تصنيف :بسمة النسور