معادلة «القبضة الأمنية» واحترام القانون

من أهم الظواهر المشتركة في كافة الدول العربية التي مرت في صور مختلفة من “الربيع العربي” ظاهرة غياب وتراجع الأمن الشخصي والاجتماعي. مدى هذا التراجع يتراوح ما بين انتشار الجرائم والاعتداءات الاجتماعية في تونس والتي لم تكن تشهد هذه الظاهرة ابدا قبل الثورة، إلى حالة فقدان الأمن الشخصي التام في سوريا وتعرض كافة المواطنين تقريبا إلى أخطار يومية قد تصل إلى مستوى القتل تحت وطأة المعارك أو محاولات النجاة والهجرة.

في كل من مصر وليبيا والبحرين واليمن هناك انتشار كبير لحمل الأسلحة واستخدامها والاعتداء على الناس وقطع الطريق والعنف الطائفي والاجتماعي وانتشار الحواجز الوهمية، ونفس هذا الأمر تمر فيه العراق منذ عشر سنوات تقريبا. اصبح الأمن الاجتماعي بمثابة عنصر شبه مفقود في العالم العربي وربما لا نجد إلا دول الخليج والمغرب والجزائر والأردن حيث لا تزال هنالك نسبة معقولة من الأمن الاجتماعي الذي يضمن الحد المطلوب من الاستقرار السياسي الاقتصادي والاجتماعي.

نقول دائما بأن الانتقال من الدكتاتورية إلى الديمقراطية له ثمن كبير، ولكن هذه ليست وصفة جاهزة لكل الدول لأن الظروف الأمنية-السياسية في كل دولة تختلف. في الأردن يتم المطالبة من قبل المعارضة بإزالة “القبضة الأمنية عن الحياة السياسية” وهذا مطلب محق لأن الرقابة الأمنية وإن لم تصل ابدا إلى مستوى “إنهاء الحياة وممارسة القتل” للمعارضين كما حدث في كل الدول العربية الاخرى ، فإنها كانت مؤثرة بشكل كبيرفي مراحل كثيرة.

التحول من “الضبط الأمني” إلى الديمقراطية الكاملة يتطلب قيام المجتمع بكافة أفراده باحترام القانون. لا توجد اية تجربة لدولة تحولت إلى احترام القانون ذاتيا بدون المرور في مراحل من الردع القانوني والأمني والذي يهدف إلى احترام حقوق الناس وليس انتهاكها. الردع الامني والقانوني كان سيحمي اصحاب المحال التجارية من ابتزاز أصحاب البسطات لأشهر قبل أن يتدخل الأمن لحل هذه “المعضلة الوطنية”، وهنالك العديد من الأمثلة التي يمكن فيها للأمن أن يحمي الحقوق بدون أي اضطرار لاستخدام العنف غير المبرر.

عندما نكون في مرحلة من الإصلاح تهدف إلى التحول من تهميش المواطنين من عملية اتخاذ القرار وانتشار الفساد والمصالح الخاصة وسوء الإدارة إلى مرحلة المشاركة في الحياة السياسية واحترام الرأي العام ومكافحة الفساد والتركيز على المصالح العامة فإن ذلك يعني أولا وأخيرا احترام القانون من قبل الجميع وعدم الحاجة إلى استيراد تجارب من دول كانت نقطة البداية فيها قمعا أمنيا يؤدي ليس فقط إلى انتهاك حقوق التعبير بل ايضا انتهاك حق الحياة نفسه.


المراجع

www.rasseen.com

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية