في حديثهما عن الهند، يقدم أمارتيا سن (الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد) وجين ديريز، في كتابهما "المجد غير المؤكد: الهند وتناقضاتها"، أفكارا تصلح لجميع الدول والمجتمعات. وفي ملاحظاتهما على المؤشرات الأساسية المتاحة في التقارير والإحصاءات، يقدمان دروساً لجميع المواطنين، في جميع أنحاء العالم الثالث، ليراقبوا التقدم والفشل، وليتلافوا خديعة الاحتفال بالنجاح الذي يتستر على الفقر وعدم المساواة. 
ما فائدة هذه الأبراج العظيمة، وأكثر من نصف السكان يتغوطون في الفضاء والساحات والطرقات؟ يقول أمارتيا سن. ويمكن لأي مواطن في عمان وفي المدن الأخرى، وهو ينظر إلى الأبراج الأنيقة و"المولات العظيمة" ويلاحظ غياب الحمامات العامة، أن يشعر بالأزمة نفسها!
وعلى سبيل المثال، يقارن سن وديريز توزيع الإنفاق العام في الهند مقارنا بالصين! ويمكن لأي مواطن أن ينظر في تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية المتاح على الإنترنت، والذي صار يعد المرجع والمؤشر الأساسي والأكثر أهمية للتقدم والفشل، وأن يقارن المؤشرات الأردنية بالدول الناجحة بإمكانات وموارد وظروف شبيهة بالأردن!
الصين تخصص 2.7 % من ناتجها الإجمالي للإنفاق على الرعاية الصحية، بينما تخصص الهند 1.2 % فقط. وفي المقابل، فإن الهند تبدو أيضا في حالة مدهشة؛ فهي تدرب مليون مهندس سنويا، مقابل مائة ألف مهندس في أوروبا والولايات المتحدة، وهي ثالث بلد في العالم على صعيد القدرات التقنية والعلمية، بعد الولايات المتحدة واليابان. كما ارتفع عدد قنوات التلفزيون الفضائية الهندية إلى 500 قناة العام 2007، وبلغ عدد المليارديرات الهنود في قائمة "فوربس" 55 مليارديرا.
وقد انتشرت وسائل الإعلام والفضائيات التي يهيمن عليها القيل والقال، والإشاعات، والفضائح والتي تلهث وراء لاعبي الكريكيت والمليارديرات ونجوم بوليوود، وصراعات النخب السياسية. صحيح أن وسائل الإعلام الهندية ليست فريدة في اتجاهها وطبيعتها في العالم، ولكن مخاطرها في الهند تكون أكبر، بخاصة أنها تفرض على المجتمعات والحكومات الأولويات والأجندات، في بلد يعيش فيه أكبر عدد في العالم من الفقراء والجوعى والمرضى والمصابين بسوء التغذية.. يقول سن وديريز.
ثمة ديمقراطية وتعددية حزبية وثقافة عريقة في الهند، ولكنها، كما يقول سن وديريز، صورة الاقتصاد الاستهلاكي الأنيق! فمؤشرات التقدم ليست برأيهما أكثر من "أدوات بلاغية" للجدل، وأرقام وإحصاءات تغطي حقيقة المعاناة والفقر، والفجوة الهائلة بين الناس؛ فلم يكن ذلك كله كافيا لتحسين الحياة. وتُقدم في مواجهة هذه الحقيقة (انخفاض مؤشر التنمية البشرية والاجتماعية) تفسيرات نمطية، من قبيل التقاليد الدينية المحافظة، والتركة الاستعمارية. ولكن ذلك كله موجود في جنوب آسيا، حيث حققت دولها، مثل بنغلاديش وسريلانكا والمالديف، تقدما في تحسين الحياة والصحة، بخلاف الهند الراكدة!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد