"احذر، فقد تكون جاهليا! راجع أقرب مركز للإخوان المسلمين".
يتكرس مفهوم الجاهلية لدى الجماعات الإسلامية السياسية والقتالية، بأنه "الآخر"؛ بما يشبه مفهوم "الأغيار" أو "الأميين" لدى اليهود، فكل من لا ينتمي إلى الجماعة هو "جاهلي". والحال إنه إعلان حرب على الأمة، أفرادا ومجتمعات ودولا ومفاهيم وأفكارا وسلوكا؛ صغيرة كانت أم كبيرة!
الجاهلية في الثقافة العربية السائدة، وفي قواميس اللغة أيضاً، تعني الفترة السابقة على الإسلام. ولكنها في تعريفات البعض المقتبسة من أدبيات سيد قطب ومحمد قطب "تعني كل وضع نفسي يرفض الاهتداء بهدي الإسلام.. وكل سلوك يتناقض مع حكم من أحكام الشريعة الإسلامية". إنها حكم شامل يمتد من الحكم والتشريع والقضاء، إلى السلوك والقيم.. "تشمل من يرفض الحكم بما أنزل الله، فيضع دستورا أو قانونا يتعارض مع شرع الله، ومن يطبق دستورا وضعيا لا يقر لله بالحاكمية، ويطبق قانونا يصطدم مع شريعة الإسلام، سواء كان الذي يطبق قاضيا أو غير قاض".
وهناك أيضا "المجتمع الجاهلي" لدى هؤلاء الإسلاميين، وهو "الذي يطبق أحكاما غير أحكام الإسلام، ولا تكون الحاكمية فيه لله، وليس بالضرورة أن يكون أفراده كافرين.. إن هذه المجتمعات تقوم على أنظمة واضحة الهوية، إن هذه الأنظمة الحاكمة لهذه المجتمعات أنظمة جاهلية من حيث الحكم وآصرة التجمع.. والسلوك الذي تشيعه وتطمئن إليه".
وبداهة، فإن سلسلة طويلة من الأسئلة تنشأ في مواجهة هذا الحكم/ المفهوم؛ هل الجاهلية تعني الكفر؟ وهل وصف جاهلي تعني كافرا؟ ما الحكم الشرعي المترتب على وصف جاهلي؟ هل غفلت كتب الفقه والتراث الإسلامي عن هذا الحكم الناشئ الجديد، واكتشفته اليوم جماعات الإسلام السياسي؟ ولكن ماذا عن كلمة الجاهلية في قواميس اللغة العربية ومعانيها الممكنة والواردة في القرآن الكريم والأحاديث النبوية والنصوص اللغوية المعتمدة، مثل الشعر العربي "الجاهلي"؟ هل الجاهلية التي يحدثنا عنها هؤلاء الإسلاميون هي أيضا الجاهلية في قوله تعالى "تبرج الجاهلية الأولى"، أو "حمية الجاهلية"؟ وهل جاء جذر الكلمة "جهل" في القرآن والأحاديث والنصوص بالمعنى والمفهوم الذي يسوقنا إليه "الإسلام السياسي"؟ فهل الجاهلون في قوله تعالى: "وأعرض عن الجاهلين" أو "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما"، هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله؟ وهل الجهالة في الآية "إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة" هي النظام السياسي غير الإسلامي؟ وهل كان وصف الرسول لأبي ذر إنك امرؤ فيك جاهلية، يعني المشاركة السياسية مع أنظمة غير إسلامية؟ وهل كان الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم في قوله "ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا"، يتحدث عن نظام سياسي واجتماعي مقابل للنظام الإلهي النازل من السماء؟
"سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا".
ابراهيم غرايبة
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد العلوم الاجتماعية